قرر المجلس المحلى لمدينة بريتوريا العاصمة الدبلوماسية لجنوب أفريقيا تغيير اسمها إلى "تشواني" Tshwane وهو اسم الملك الأفريقي للمنطقة سابقًا على الاستيطان الأوروبي لها.. ويعني للأهالي "أننا متساوون"...
هكذا وجد الأهالي أنه لم يكن يحق للبيض مع انتصار مؤسسي العنصرية من البوير أن يطلقوا اسم بطلهم "بريتوريس" على المنطقة، حتى ولو كان ذلك بسبب مواجهته لأوروبيين آخرين هم الإنجليز في حرب البوير أوائل القرن التاسع عشر، معتبراً المسمى –وقتئذ- تعبيراً عن انتصار وطني، بل وتسمية الحزب والحركة العنصرية كلها باسم "الحزب الوطني".
استرجعت ذلك وأنا أتذكر المسميات الصهيونية للمدن والقرى الفلسطينية من أكبرها أورشليم- القدس إلى أصغر القرى مثل أم خالد (ناتانيا) وتذكرت تلك الخريطة التي انتهى إلى وضعها عبد الجواد صالح عضو المجلس التشريعي الفلسطيني أواخر الثمانينيات من القرن الماضي راجعاً بالذاكرة الوطنية العربية إلى كل حجر في فلسطين يسميه باسمه الأصيل... وأحياناً لا يستطيع الاستعماريون في منطقة عميقة الأصول مثل المنطقة العربية أن يغيروا مسميات مدنها أو أصولها، فيقرنوا الأسماء القائمة بما يغير طبائعها في الذاكرة الوطنية. وكلنا يذكر كيف كان اسم "حلف بغداد" مؤلماً وهو يشير إلى مركز عمليات المشروع الشرق الأوسطي مبكرا، مذكرا أن العرب قابلين للغزو بطرق أخرى، منذ هجوم التتار الذين أعلنوا إسلامهم ليدفنوا ثقافة بغداد الإسلامية في نهرها حتى وصول القوات "المتحالفة" لبغداد لتسرق "الآثار العراقية" في أول عمل احتلالي للمدينة، ولينشد العرب وراء ناظم الغزالي ما يحلو لهم!
في جولتي الأفريقية حول المسميات.. وذكرياتها الوطنية لاحظت أن الحضور العربي في أفريقيا فترة العولمة العربية الإسلامية، لم يقترن بمثل هذا الإجراء التسلطي، والقليل منها الذي ارتبط بالمنطوق العربي مثل "زنجبار"، أي أرض الزنج، أو "جزر القمر" بالقرب منها، إنما كانت صفات محلية مباشرة وليست مسميات عربية، بينما بقيت مسميات مملكة غانة ومالي والسنغاي وأواجادوجو، وتمبوكتو وغيرها على حالها، كما بقيت ممباسا وكيلوا وسوفالو.. الخ.
ورجعت إلى جنوب أفريقيا، استطلع أسباب العودة الآن إلى تذكر المسميات القديمة، أو إثارة الرغبة في العودة بالذاكرة الوطنية إلى عملية الاسترجاع هذه. لاحظت أنه قد مر وقت على أعمال "لجنة الحقيقة والمصالحة" التي تعهد بإقامتها نيلسون مانديلا، ضمن صفقة الاتفاق على تحول جنوب أفريقيا عن العنصرية إلى حكم ديمقراطي وطني يعبر عن الأغلبية الأفريقية، والتي بدا فيها المكسب السياسي مقدماً على المكاسب الاقتصادية أو الاجتماعية التي ناضل الأفارقة المظلومون من أجلها. لكن الوفاق السياسي وحده – حتى ولو كان بالديمقراطية أو من أجلها- لا يشبع البطون أو النفوس الجائعة إلى واقع مختلف. وها هي قضية الأراضي الزراعية تتفجر في زيمبابوي كما تنفجر في ناميبيا، بما قد يعود بذاكرة الجماهير –الاجتماعية- إلى عصر الأبارتهيد ومظالمه، فكيف تستعيد النخبة السياسية إذن زمام مبادرة ما مع جماهيرها بما يعفي النظام من وطأة المطالب الاجتماعية الملحة؟ قد تكون بعض تفعيلات للذاكرة الوطنية هنا مفيدة في مواجهة الغضب الاجتماعي، ولكنني والحق أعطي أكبر مصداقية للتحرك الوطني في جنوب أفريقيا، وذكريات جماهيرها أمام قسوة نظام الأبارتهيد، مقارناً بحالات بدا فيها العبث السياسي بالذاكرة فادحاً حقاً. فما أفدح ما نال الوطنية على يد شخصيات مثل "موبوتو" وهو يرفع شعار الوطنية بمسميات "الأصالة" في بلاده، بدءءاً من تسميه شخصه "بالأسد الكاسر العابر للنيران: سيسى سيكوموبوتو" وعاصمته كنشاسا بدلاً من ليوبولدفيل وانتهاء بالأصيل المخرب الأكبر انحرينا تومبلباى وعاصمته "نجامينا" بدلاً من "فورت لامى"... إلخ وكل ذلك بزعم "الأصالة الأفريقية"، وسط مظاهر من الملبس والمواكب وعبادة الشخصية، جعلت أفريقيا –بعد عيدى أمين أيضاً- موضعاً لكثير من السخرية‍!
في حالة جنوب أفريقيا، يختلف الوضع كثيراً، وإن كانت تظل به بعض الظلال الاجتماعية في مواجهة ذكريات الأبارتهيد بأكثر مما يحمل من "المهرجانية السياسية". لقد ترك للجماهير الأفريقية منذ مارس 2005 حق مراجعة بعض المسميات في جنوب أفريقيا، إذا كان ذلك يحقق قطيعة فعلية مع ذكريات الأبارتهيد، ولا شك أن ذلك سيطال العاصمة الاقتصادية "جوهانسبرج" في وقت قريب، ولكنه لم يلامس للآن مدينة الذكريات الوطنية الحقيقية مثل سويتو Soweto التي تعني فقط مختصراً لكلمة جنوب غرب المدينة (جوهانسبرج) أي أنه مجرد مسمى جغرافي لمنطقة عزل السود الخادمين في العاصمة، وقد انتفض فيها الطلاب وأولياء أمورهم عام 1976 احتجاجاً على أوضاعها الاجتماعية البائسة بوجه عام ولكن بالتحديد احتجاجاً على محاولة فرض "لغة الأفريكانر" بديلة للإنجليزية كلغة أخرى غير اللغات الوطنية المحلية. وشعر يومها الأهالي أنه يراد لهم العزلة الكاملة عن العالم وزيادة عبوديتهم لنظام "الأبارتهيد" فخرجو