عندما يصدر واحد من أهم المعاهد الاستراتيجية في العالم وهو المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن تقريره السنوي لابد للباحثين والمراقبين من أن يتوقفوا عنده خاصة إذا كانت أحكامه تبدو مثيرة للجدل. خطورة المسألة تكمن في أن أحكاماً كهذه يمكن أن تكون مدخلاً مهماً في قرارات دول كبرى مؤثرة على الأوضاع في الشرق الأوسط. ويجب أن يعترف المرء بداية أن المناقشة التالية ليست للتقرير ذاته، وإنما لخطوطه العريضة التي نشرتها صحف الأسبوع الماضي.
فيما يتعلق بالشرق الأوسط وهو أكثر أجزاء التقرير أهمية بالنسبة لنا اعتبر التقرير أنه قد أصبح "أكثر أمناً" مما كان عليه قبل سنة بسبب تطورات إيجابية في العراق وعلى مستوى الصراع العربي- الإسرائيلي، على أساس أن معاودة الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد وفاة ياسر عرفات كانت بمثابة "نقطة انطلاق" في عملية السلام. لم ينس التقرير أن يضيف إلى مؤشراته الإيجابية عن الوضع في الشرق الأوسط "الوعود بانتخابات تعددية في مصر" و"الانتفاضة الشعبية ضد سوريا في لبنان".
عندما انتقل التقرير إلى بيان أسباب هذا التحسن أشار أولاً إلى سياسات واشنطن "الجريئة" في العراق والشرق الأوسط، التي ثبتت فعاليتها على نحو مطرد في مجال مكافحة الإرهاب ونشر الحرية والديمقراطية والوعد باستخدام النفوذ الأميركي للتوصل إلى حل نهائي. ولم يفت التقرير بطبيعة الحال أن يذكر بوفاة ياسر عرفات باعتبارها كانت عاملاً من عوامل التحسن الذي يراه، لكنه زاد على ذلك حديثه عن "التزام" رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون.
هذا إذن هو التحسن المفترض في التقرير وعوامله الأساسية، ومع أن اختلاف النظرة للأمور السياسية أمر شائع إلا أن المرء ليحار في فهم هذه الفجوة الهائلة التي تفصل بين ما يراه التقرير وبين واقع الحال في المنطقة المسماة بالشرق بالأوسط، ومثل هذه الفجوات بين الواقع وبين الصورة المدركة عنه من شأنها أن تفضي إلى قراءات كارثية للواقع أو عجز تام عن تحقيق أي تقدم في تغييره إلى الأفضل.
ولو بدأنا بالعراق فإن ثمة سؤالاً لابد وأن يتداعى على الفور: عن أية تطورات إيجابية يتحدث التقرير في العراق؟ عن انتخابات مطعون في شرعيتها وحكومة تعثر ميلادها ولم يكشف أداؤها عن أي جديد حتى الآن، ناهيك عن أنها تبقى بكل المعايير حكومة غير ممثلة لقطاعات عريضة من الشعب العراقي ما زالت ترفض الاحتلال ومعه كل سياساته وخططه وتصوراته؟ عن غياب الأمن على نحو مأساوي بسبب هذا الاحتلال؟ لقد اعترف التقرير بأن العراق "لا يزال مصدراً لإلهام المتشددين الإسلاميين ما يساعد القاعدة في تجنيد مزيد من العناصر"، وهي حقيقة تشهد بها أحداث التفجيرات العشوائية اليومية في هذا البلد المنكوب، ونضيف إلى ذلك أن العراق كأي بلد تعرض للاحتلال يشهد أيضاً حركة مقاومة وطنية متصاعدة، وقد صدر التقرير في وقت حفل بمؤشرات على صمودها دون أن تكون هناك أية بوادر على نجاح قوات الاحتلال في وضع نهاية حاسمة لها، وهو أمر مستحيل الحدوث على أية حال لو كان المسؤولون عن هذه القوات يقرؤون أبجديات خبرات التحرر الوطني ويفقهونها بما في ذلك خبرات كانت الولايات المتحدة نفسها في القلب منها.
أما الصراع العربي- الإسرائيلي فقد اعتبر التقرير عودة الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين نقطة انطلاق في عملية السلام، ولو كان واضعو التقرير يقصدون هذا حقاً فقد حق علينا أن ندعوهم لإعادة قراءة ملفات الصراع الحافلة بعشرات من نقاط الانطلاق المماثلة لنقطة الانطلاق هذه. ربما يميز نقطة انطلاقنا في هذه المرة أن شارون كان بحاجة ماسة إليها كي ينفذ تصوره عن الانسحاب من غزة وتفكيك مستوطناتها من طرف واحد، لكن الرؤية التي يتبناها حتى الآن ويتفق فيها أو في خطوطها الرئيسية مع القوى الرئيسية الفاعلة في إسرائيل لا يمكن أن تفضي إلى نقطة انطلاق في أي عملية للسلام ناهيك عن مواصلتها خاصة في ظل الخلل القائم في ميزان القوى حتى الآن بين الإسرائيليين والفلسطينيين. هذا الخلل الذي يجاهد الفلسطينيون من أجل تصحيحه خطوة خطوة بمقاومتهم للمحتل، ولعلنا نلاحظ أن كل التنازلات التي قدمتها إسرائيل لحركة التحرر الفلسطيني في أوسلو وأعقابها وفكرة الانسحاب من غزة من طرف واحد قد ارتبطت بقدرة المقاومة الفلسطينية على الإنجاز والصمود. من هنا فإن نقطة الانطلاق الحقيقية في عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين غائبة الآن، وهي لن توجد على أرض الواقع إلا بعد انهيار الهدنة المتوقع ولو بعد حين لتبدأ جولة جديدة من المقاومة.
لا يقل الأمر سوءاً في الإدراك والفهم عندما ينتقل التقرير إلى الحديث عن "انتفاضة شعبية ضد سوريا في لبنان" وعن وعود "بانتخابات تعددية في مصر"، في الحالة الأولى نسي التقرير أن ثمة انتفاضة شعبية أخرى في لبنان يمكن الحديث عنها تأييداً لسوريا ودورها رأينا مؤشراتها في المظاهرة الكبرى التي دعا إليها حزب الله بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. صحيح أن مظاهرة أخرى مماثلة قد دعت إليها قوى