كان الفريق ابراهيم (باشا) عبود القائد العام لقوة دفاع السودان، جندياً منضبطاً شهد له معاصروه بالطيبة والبساطة والالتزام بالتقاليد العسكرية العريقة التي تشرب بها في مدرسة العسكرية الانجليزية التقليدية المعروفة، وأولى تلك القواعد وأهم تلك التقاليد العسكرية الانجليزية هي أن الجند لا يعملون ولا يتدخلون في السياسة·· وفيما تروي وقائع التاريخ السوداني المعاصر فإن الفريق القائد العام عندما طلب منه رئيس الحكومة ووزير الدفاع آنذاك (نوفمبر عام 1958) الأميرلاي عبدالله (بك) خليل أن يحرك قواته للمحافظة على الأمن والنظام بدعوى أن البلد مهدد بـ >فتنة داخلية< و >تدخل أجنبي<، حسب قوله، فإنه لم يستجب للأمر مباشرة وأصر على أن يصدر له رئيسه الأعلى أمراً خطياً يأمره فيه باستلام الجيش للسلطة وهو ما عَرَّفه الفريق عبود فيما بعد بـ >التسليم والتسلم<·· وهو أيضاً الأمر الذي دخل التاريخ السوداني باسم انقلاب السابع عشر من نوفمبر عام 1958 الذي دام حكمه للسودان ستة أعوام وشهرا واحدا·
بانقلاب السابع عشر من نوفمبر دخل السودان دوامة الانقلابات العسكرية والحكم الشمولي التي ما تزال تفعل فعلها بالسودان وأهله وأصبح السودان وشعبه حقلاً للتجارب السياسية والعقائدية تتجاذبه أقصى تيارات اليمين واليسار، مستغلة القوات المسلحة أداة لها لتحقيق طموحات أثبتت الأيام مرة بعد أخرى فشلها وعدم جدواها لأنها في الحقيقة بعيدة عن الواقع السوداني المعقد، والذي تشابكت ظروف تاريخية وجغرافيته في صنعه، ويحتاج الخروج منه نحو عالم التطور وواقع العصر، الى جهد دؤوب وعمل متواصل ورؤية تستشرف المستقبل ولكنها لا تنكر·· الواقع، وأداؤها في ذلك ليس >العملية الانقلابية السريعة<، ولكن الديمقراطية السديدة والتي بها يصلح الشعب حاله ويحقق طموحاته وآماله·
في البيان الأول (البيان العسكري رقم 1) الذي أذاعه على السودانيين الفريق ابراهيم >باشا< عبود القائد العام للجيش السوداني صبيحة يوم السابع عشر من نوفمبر عام 8591، سمى القائد انقلابه بـ >الحركة المباركة<·· وعلى غير عادة العسكر الانقلابيين لم يسم المجلس الانقلابي بمسمى >مجلس قيادة الثورة<، بل سماه >المجلس الأعلى للقوات المسلحة<·· ولقد جاءت تشكيلة المجلس معبرة تماما عن التقاليد والقواعد العسكرية التي تربى عليها ضباط قوة دفاع السودان على أيدي معلميهم البريطانيين·· شُكل المجلس من كبار الضباط وجاءت أوضاعهم ووضعهم فيه حسب الأقدمية العسكرية المعمول بها حتى ذلك الصباح فيما عدا حالتين تجاوز فيهما مَن شكل المجلس اثنين من الضباط الكبار (الأميرالاي شنان قائد القيادة الشمالية والاميرالاي محيي الدين قائد القيادة الشرقية آنذاك) وسيقومان بعد أشهر قليلة بأول انقلاب على المجلس الأعلى وسيدخلان في عضويته بـ>قوة السلاح< إلى حين·
لكن القائد العام - وهو المنصب الذي ظل الفريق محتفظا به حتى مساء الحادي والعشرين من أكتوبر عام 4691 - الذي كان يقول دائما ان أبغض شيء الى نفسه هو السياسة، سرعان ما وجد نفسه منغمسا فيها وفي ألاعيبها التي لم يكن مؤهلا لها·· فالحركة المباركة التي قام بها جيشكم الأمين - كما كان يقول - أصبحت سلطة وسلطة عسكرية قاسية وصل بها الأمر في بعض الأحيان الى إعدام عدد من ابنائها حتى تُلجم -كما قال منظرها - صغار الضباط الذين تطلعوا الى السلطة وكانوا يرون أن ذلك أمر مشروع·· وهكذا فإن انقلاب السابع عشر من نوفمبر الذي ظل قائده يقول على الدوام انه لم يأت طمعا في السلطة ولكنه قام به تنفيذا لأمر من أعلى رأى في تنفيذه أنه سيحفظ أمن الوظن وسيجنبه مهاوي الفتنة السياسية والتدخل الأجنبي، دخل في حساب التاريخ باعتباره الانقلاب العسكري الأول الذي فتح الباب لمسلسل الانقلابات العسكرية الدموية في السودان والتي من قسوة ومرارة ما عانى منها السودانيون بات كثير منهم يترحمون على ايام انقلاب عبود·· انقلاب السابع عشر من نوفمبر عام 8591·