كان ميكيافيلي صاحب كتاب "الأمير" ومؤسس المقولة الشهيرة "الغاية تبرر الوسيلة"، قد ميّز بين نمطين من الضمير، واحد يمتلكه الإنسان العادي في حياته اليومية، وآخر يمتلكه السياسي أو العادي حين يكون سياسياً. ورأى أن الأول يتصرف بمقتضى القواعد اليومية الناظمة لحياة الناس، على نحو يحقّق حداً معيناً من التوافق بينه (بين الضمير) وبين محيطه المجتمعي، أما ضمير السياسي فيأتي من أجل ألا يقف عائقاً في وجه صاحبه، خصوصاً حين يطرح عملاً سياسياً ويدخل الحياة السياسية.
لقد قاد ذلك، شيئاً فشيئاً، إلى إقصاء الحياة القيمية الأخلاقية عن الحياة السياسية والاجتماعية العامة. وراح ذلك يفرض نفسه على العلوم الاجتماعية والسياسية والقيمية، بحيث قاد إلى مبدأ أجمع عليه كثير من الباحثين المعنيين المتوافقين مع تطور المجتمع الغربي المذكور، وهو فصل الأخلاق عن السياسة، ثم عن الاقتصاد. وكان من نتائج ذلك أن ظهر ميكيافيلي المفكر الإيطالي بكتابه المأتي على ذكره، والذي تحول، مع تحولات المجتمعات الحديثة الرأسمالية الكبرى، إلى إنجيل السياسيين وصانعي القرار السياسي. وتتالت التغيرات على الصعيد النظري السياسي والسوسيولوجي والفلسفي، بحيث أفضت إلى نشأة الفلسفة "الذرائعية-البراغماتية"، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية. وأفصح عن نفسه المبدأ المركزي، الذي ترتكن إليه هذه الفلسفة، بالصيغة التالية: إن كل ما يتطابق مع مصالحنا، يتطابق مع الحقيقة، وإن ما لا يتطابق مع هذه المصالح، إنما هو أمر يخرج عن التزاماتنا. ويلاحظ أن ذلك أخذ يقترن اقتراناً كبيراً مع منظومة الليبرالية، المنطلقة هي كذلك من تطابق المبادئ مع المصالح. ونذكر أن الرئيس الأميركي الأسبق كارتر زار دمشق قبل بضع سنين بعد خروجه من الرئاسة. وقد عُقد لقاء بينه وبين مجموعة من الباحثين والمفكرين والجامعيين في دمشق، وكنا من ضمنهم. وفي سياق حوار شبه مفتوح شارك فيه عدد من الحضور، كان لنا أن نطرح تساؤلاً على الرئيس، تحدّد فيما يلي: إذا كنتم من الآخذين بالفلسفة الذرائعية (وكانت صحف غربية قد نشرت شيئاً من هذا القبيل)، فكيف توفقون بين بلدكم وبين المشكلات المطروحة في منطقتنا، في حينه؟ أجاب الرئيس: إن مصالحنا وحدها هي التي تحدد عملية التوفيق هذه وتضبطها، مما يعني التوافق مع الفلسفة المذكورة.
ها هنا، ندرك الحيثيات، التي اقترنت بتدنيس القرآن الكريم في سجن غوانتانامو. بالطبع، لم يتلقّ الجنود الذين قاموا بهذا العمل المشين، أمراً أو ضوءاً أخضر من القيادة السياسية أو العسكرية بفعله. ولكن الأيديولوجيا الاستعلائية والثأرية، التي يتربّى عليها أولئك الجنود أو مجموعات منهم، حيال الإسلام والمسلمين في المرحلة الراهنة تخصيصاً، تحتمل إمكانية شحنهم في هذا الاتجاه، لِمَ لا، والحادي عشر من سبتمبر جرى التأسيس له أيديولوجياً وأخلاقياً من موقع أن حَمَلة القرآن -على الأقل لدى جموع منهم- هم الذين أطلقوا عنانه وفتحوا لهيبه. وفي هذه الحال، ليس عسيراً على قادة الأيديولوجيا الأميركية العولمية أن يجدوا ما يؤكد لهم ذلك. فهم الذين ربطوا، بصلةٍ طريفة فظيعة، بين "الحروب الصليبية" و"الحرب الراهنة ضد الإرهاب الدولي"، الذي حددوا هويته بكونه إسلامياً. بل إن الشرارة الأولى، التي جرى إطلاقها باتجاه الربط بين هذين الحدثين، أي بين الماضي والراهن، إنما أتت على لسان الرئيس بوش الابن. وإذا كان قد سحبها واعتذر عنها، فإنه بذلك يكون قد أكدها بقوة أكثر: إن زلاّت اللسان هي - وفق علم النفس اللغوي- إفصاح عن الخبيء وتأكيد عليه.
إنه من المأساوي أن يستعيد العصر العولمي الراهن رموزاً منصرمة يمنحها دلالات جديدة خطيرة للتأكيد على "الحقيقة" المستمدة من الفلسفة الذرائعية. وفي هذا وذاك، يجدر التذكير أن الواقعة المشينة بحق القرآن، تدخل في تصارع مباشر مع حق الاعتقاد لكل البشر، وهو حق تكفله كل القوانين الوضعية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. من هنا، لا يصح أبداً لبلد يعلن نظرياً أنه يحترم هذه الحقوق، أن يستبيحها في أكثر تجلياتها خصوصية وحساسية. ويكفي أن نستنبط درساً مما حاوله ويحاوله شارون حيال المسجد الأقصى. إن إشعال الحرائق لا يستثني مشعليها.