يمثل لبنان ما يمكن تسميته مجازاً "رأس الرمح العربي" في اتجاه الديمقراطية، فهي الدولة العربية الوحيدة التي - ومنذ زمن- فيها من مقومات الديمقراطية ما هو مفقود عند غيرها. فعقب مقتل الحريري وتنحي الحكومة أمام المعارضة توقع الجميع أن رياح الديمقراطية الجديدة ستهب على لبنان، خاصة وأن كل قوى المعارضة قد استكملت واستجمعت قواها بسبب العراك الناضج مع الحكومة لتصل تلك المعارضات ووفق برنامج انتخابي واضح ورؤى جديدة مدروسة إلى غايتها وتكون حققت النجاح بإزالة الحكومة السابقة وسعيها إلى الحصول على أغلبية في الحكومة الجديدة.
إلا أن المرض العربي العضال يكمن في التربة العربية التي أنتجت كل شيء ما عدا الديمقراطية الرشيدة، القادرة على تفعيل التغيير الإيجابي. التجربة اللبنانية أعادت الإحباط لكل الراغبين في تغيير العالم العربي، وأكدت أن العقلية العربية أضعف وأجهل من أن تستحق الحياة الديمقراطية بل حققت نبوءة المتشككين في قدرة النخب والجماهير العربية على ممارسة الديمقراطية؛ فعودة وهيمنة الطائفية و"ديمقراطية البيوت" و"الأسماء" التي ما غابت عن المشهد السياسي اللبناني، دليل واضح على أن عجلة الديمقراطية غير قادرة على السير إلى الأمام، وذلك على رغم أن لبنان يعيش في أفضل المناخات العربية، حيث لا توجد لديه القبلية أو العشائرية الموغلة في الانكفاء على ذاتها، ولا الجهل السياسي وحالات الغياب التي يعيشها غيره من البلدان. إن التجربة اللبنانية تدعو للدراسة والبحث في تخلفنا السياسي وعدم قدرتنا على التغيير الإيجابي، وذلك قبل أن نعلق عجزنا على شماعة المؤامرة الخارجية أو رغبة بعض الحكومات العربية في تجهيلنا.
حامد الطيب - أبوظبي