عُقدت قبل يومين القمة التشاورية السابعة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، في الرياض، ومع أن هذه الدورة تشاورية فقط، إلا أن الحديث المتجدد عن دور المجلس، ومستوى أدائه وتوفيقه في النهوض بما تعلقه عليه شعوب المنطقة الخليجية من آمال، عاد إلى الواجهة مرة أخرى، هذه المرة إلى حدود غير مسبوقة، بل إلى حدِّ المطالبة بحل مجلس التعاون وإغلاقه بالشمع الأحمر، والاستعاضة عنه بعلاقات ثنائية أكثر عملية وأيسر تطبيقاً على أرض الواقع. ومثل هذا الطرح يشكل في حد ذاته علامة عافية، حيث أصبحت المؤسسات البينية الخليجية وفي مقدمتها المجلس موضوع نقد حاد ومساءلة واهتمام بجدواها من الأساس.
وبغض النظر عما حققه مجلس التعاون من إنجازات كثيرة، وما أخفق في تحقيقه من تطلعات كثيرة أيضاً، فإن الإنصاف يقتضي أن نعترف أنه كتجمع إقليمي، لا يستطيع فعل شيءٍ ما لمْ تقرر ذلك الدول الأعضاء الست. إذ أن الأمانة العامة للمجلس تتحرك في حدود مرسومة لها من قبل الدول الأعضاء، وإرادتها ليست بالضرورة حاصل "جمع" لإرادات كل هذه الدول، وإنما هي بالأحرى حاصل "ضرب" لهذه الإرادات المتعددة، بمعنى أنها نتيجة لتفاعل أكثر من إرادة واحدة. ومن ثم فإن نجاح أداء الأمانة العامة لأية منظمة إقليمية أو دولية يقاس بقدرتها على التنسيق بين مختلف الإرادات المكونة للدول الأعضاء. وهذه الأخيرة قد تختلف وقد تتفق، حسب المصالح والمواقف والتوجهات والتجاذبات التي من الطبيعي أن تنشأ بين أية دول مستقلة ذات سيادة، في أي منظومة إقليمية في العالم.
ولعل مما يحسب لمجلس التعاون، رغم أي إخفاق عملي قد يتهم به، أنه أنجز مكسباً رمزياً مهماً وحقيقياً، لا مراء فيه، هو ما يبطنه المواطنون الخليجيون ويظهرونه، حتى خارج الأطر الرسمية، من شعور بالانتماء، إلى هذه المنطقة الخليجية الواحدة، التي غدت لدى هذا الجيل الحالي انتماءً لقيمة معينة، هي الهوية الخليجية المشتركة بكل مميزاتها وجذورها وخصوصياتها الثقافية والاجتماعية. وحتى لو قلنا إن المجلس أخفق في بعض ما سعت إليه مؤسساته الرسمية، إلا أنه نجح على المستوى الشعبي في تحقيق التقارب المطلوب، وفي ترجمة الكثير من المشاعر والتقاليد والأواصر التاريخية المشتركة التي كانت تنتظر التفعيل، حتى لو لم يكن للمؤسسة الرسمية دور في ذلك. وقد برهنت مختلف الهزات والتحديات التي واجهت دول المنطقة في العقدين الأخيرين على وقوف الخليجيين ـ أقصد الشعوب هنا وليس الحكومات ـ على قلب رجل واحد، والأهم من كل هذا اعتزازهم بانتمائهم الخليجي الواحد، واستعدادهم للتضحية في سبيل ذلك.
وربما يلزمنا الاعتراف، والشيءُ بالشيءِ يُذكر، بأن المجلس نجح هنا بالذات حيث فشلت الجامعة العربية، في ترسيخ أبسط القيم الرمزية في مشروعها الإقليمي الذي انطلق قبل أكثر من نصف قرن من الزمن، حتى لو كان هذا المشروع فضفاضاً أصلاً بشكل لا يوصف، وعاماً عمومية ربما تجعله لا يعني شيئاً محدداً على الإطلاق. وفي مقدمة تلك القيم الرمزية طبعاً قيمة الانتماء. فهل هنالك من عامة الناس في الوطن العربي اليوم بعد مرور جيلين كاملين، مَن يشعر بالانتماء إلى الجامعة، فيعرِّف نفسه مثلا، بأنه من مواطني دول الجامعة العربية؟ ليست ثمة إجابة مؤكدة.. لكن الأكيد هو أن الجامعة نجحت في تخريج دورات متتالية من عتاة البيروقراطيين والخطباء، الذين لا يشق لهم غبار، أما في ما عدا ذلك، فأعتقد، شخصياً، والعلم عند الله، أن علامتها صفر على الشمال، مع مرتبة الشرف.