لعل من المفارقات العجيبة والداعية إلى التفكير، بل والتعمق بالتفكير أن تكون هنالك نسبة عالية من البطالة في دول مجلس التعاون، أو الدول النفطية في الخليج العربي، تلك الدول التي تعاني من تدني نسبة المواطنين بالنسبة للمجموع الكلي للسكان· لم يكن أحد يتصور في يوم من الايام، أن تكون هنالك اعداد هائلة من العاطلين عن العمل في دول تبحث عن العمالة في كل أنحاء العالم· فهل يعقل أن تبرز البطالة في هذه المنطقة؟ كلا بل وألف كلا· إلا أن الواقع يؤكد على وجود كم هائل من العاطلين عن العمل وخاصة بين الاناث، نعم الاناث ممن تقف العادات والتقاليد والاعراف ضدهن·
فهي ممنوعة من قيادة السيارة في بعض الدول، وهي الممنوعة من الاشتراك في العملية السياسية في دول أخرى يشار إليها بالبنان بأنها دول ديمقراطية وبشهادة رئيس الدولة الحامية للديمقراطية في العالم وكأن حجب حق الترشيح والانتخابات للمرأة لم يدخله في حسابه كعامل من عوامل الديمقراطية· فالديمقراطية عنده تتسع لكل شيء بما في ذلك قتل الأطفال وقلع الأشجار!! والتيار الديني الاسلامي مصر على أن يرفع لاءات ولاءات ضد المرأة وهم الذين يستغلون المرأة في كل المناسبات، سواء في الحياة الخاصة، أو العامة، فهي الرقم المرجح دائماً، إلا أن العقلية الجاهلية هي التي تتحكم في القرار السياسي للاسلام السياسي وأحزابه· يريدونها جارية في الفراش، أما أن تكون حرة وانساناً يحلم بالمساواة، فإن ذلك غير مسموح به، وإنه جزء من العلمانية، أو الخروج عن الأمة· وإلى عهد قريب كان يتهم من ينادي بحرية المرأة وحقها في المساواة بالكفر تارة وبالشيوعية تارة أخرى عندما كانت تلك التهم رائجة وقبل أن تفقد قيمتها في أسواق التهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية، كم مارس الإسلام السياسي وأحزابه من تدمير لصورة الاسلام الإصلاحي وخاصة في أفغانستان وغيرها، من الدول التي هيمنت عليها تلك القوى الظلامية·
مما لاشك فيه أن قوى الظلامية قد ضللت الآلاف من الشباب ممن يبحثون عن الخلاص، أولئك الشباب المؤمنون بأن الغد أفضل من الحاضر، أولئك الابرياء، كانوا كالحمل الوديع والذي يبحث عن فرصة للحياة، بين انقضاء الضياع والتدهور· شباب يبحث عن فرصة لإثبات ذاته، وان يكون جزءاً من عجلة التقدم والتنمية، اولئك الشباب كانوا جزءاً من آلة البطالة في مجتمع الرفاهية والحياة التي قد تشكل للبعض الجنة في حياة الدنيا!! ان تصاعد البطالة بين الاناث من 2,6% إلى 28,8% في دولة من دول مجلس التعاون يؤكد على استمرار نهج التخلف الفكري والسياسي في الوقت ذاته· كم هو مؤلم أن يبحث مواطن النفط والحياة المرفهة عن العمل في دول توفر آلاف فرص العمل لكل أبناء العالم من الشرق أو الغرب، من الجنوب والشمال، ويظل مواطنو تلك الجنة باحثين عن العمل!!!
يبدو أن الفساد الإداري، ومستوى المحسوبية قد وصل إلى مرحلة عالية من التحدي لكل القيم والأعراف الإنسانية، إن هذه الوضعية تساهم في ارتفاع نسبة من ينخرطون في العمل الإرهابي دفاعاً عن حقوقهم كبشر· ألم يقل شيخ المساواة، لو كان الفقر رجلاً لقتلته، إن الحاجة والشعور بالظلم هما الأساس في انتعاش التطرف، بل وعامل من عوامل التطرف السياسي·
إن ارتفاع معدلات البطالة، هو دليل على وجود خلل في القرار الإداري والسياسي· ان تفشي الواسطة والمحسوبية والفساد هي بداية التدهور، بل ومؤشر على بداية عدم رضا شعبي، عندما تعتبره الأغلبية العامة حلاً للخروج من المأزق، ألم يكن دعاة المساواة افرازاً لمرحلة التحيز بل واستخدام المحسوبية في الحياة العامة، كانت تلك مرحلة من مراحل تطور المجتمع، بل قد يعتقد البعض أنها مرحلة اللاتوازن، من هو على حق؟؟ لست ادري·
أعود من جديد إلى مسألة البطالة، إنها المارد الذي قد يؤدي إلى قلب الطاولة، على الجميع· الحياة في القرن الجديد لم تعد تحتمل الحلول الترقيعية، إن الحياة في القرن الجديد لا تحترم من لا يحترم حقوق الانسان، فهل تدرك شعوب المنطقة هذه الحقيقة· فليس من المعقول أن يظل انسان عاطلا في منطقة تستقطب آلاف العاملين من دول لا تمتلك آلية التوظيف· وبالتالي أين دعاة العدالة والمساواة والحياة الكريمة للإنسان في العالم، وهم ينسون إنسان النفط؟! معادلة صعبة في ظل دعاة الديمقراطية، أم أن مواطني الخليج هم هنود حمر الألفية الثالثة؟ إذا لم تكن كذلك فإن الحاجة تبدو ملحة لتغيير الخريطة الاجتماعية والفكرية والسياسية في المنطقة، أن ننتقل إلى الألفية الثالثة فعلاً لا قولاً بأن تحصل المرأة على حقوقها كاملة ومن أول تلك الحقوق حقها في العمل· وهذا لا يعني أن الحقوق الأخرى ليست ذات أهمية، بل إن من حق المرأة أن تنتقل من عالم الحريم إلى عالم الشريك وهذا يعني أن لها الحق في أن تملك وتنتخب وتترشح وأن تستطيع أن تقود السيارة، وقديماً لم يكن هناك من يمنعها من ركوب الخيل قبل أربعة عشر قرناً· أم أن التاريخ يكذب أن خولة بنت الأزور ركبت الحصان وامتشقت السيف مع الرجال؟!!!