في الوقت الذي تقرؤون فيه هذه المقالة، ستكون فرنسا قد قامت يوم 29 مايو الحالي بالتصويت بالموافقة أو عدم الموافقة على الدستور الأوروبي. والحقيقة أنني كتبت مقالتي هذه قبل التصويت بيوم أو يومين، وبالتالي فإنني لا أعرف النتيجة التي سيؤول إليها الاستفتاء. ولكنني أستطيع القول إن الاستفتاء الذي سيتم في جميع أنحاء فرنسا ينظر إليه على نطاق واسع على أنه يمثل لحظة من اللحظات الحاسمة في التاريخ الفرنسي المعاصر.
هل سيقول الفرنسيون " نعم" أم " لا" للدستور الأوروبي؟ جميع استطلاعات الرأي تشير إلى أن احتمال " لا" يفوق احتمال" نعم" بثلاث نقاط مئوية. وسوف يستلزم الأمر حدوث معجزة، حتى يتغير الوضع إلى النقيض. علما بأن هناك سجالا محتدما قد اشتعل حول هذا الأمر من المتوقع أن يستمر حتى عشية التصويت.
وتصويت الفرنسيين بالرفض، سيوجه ضربة قاصمة إلى عملية التكامل الأوروبي التي مضى عليها ما يقرب من خمسين عاما حتى الآن، كما سيوجه في نفس الوقت ضربة مؤلمة إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي رهن سمعته السياسية على التصويت بالموافقة على الدستور الأوروبي.
في المقابل، نجد أن التصويت بالموافقة سيكون بمثابة دعم هائل لشيراك، وربما يتيح له استعادة قدر كبير من الشعبية التي فقدها خلال الشهور الأخيرة. بالإضافة إلى ذلك فإن مثل تلك الموافقة الإيجابية ستعيد وضع الاتحاد الأوروبي على المسار الصحيح الذي سينتهي به إلى تشكيل اتحاد سياسي قادر على ممارسة قدر أكبر من التأثير في عالم اليوم. وينص الدستور الأوروبي الذي سيقترع عليه الفرنسيون على التطوير التدريجي لسياسة خارجية ودفاعية مشتركة، يقوم فيها وزير خارجية أوروبي واحد بالتصرف والحديث للعالم بالنيابة عن أوروبا كلها.
ويذكر في هذا السياق أن عملية صياغة الدستور الأوروبي قد اضطلعت بها لجنة مكونة من 105 أعضاء، تم اختيارهم من مختلف الدول الأوروبية، ويرأسها الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان. وقد أنهت تلك اللجنة اجتماعاتها في العاشر من يوليو 2003، وتم التوقيع على الدستور من قبل 25 زعيما من زعماء الاتحاد الأوروبي الموسع في التاسع والعشرين من أكتوبر الماضي. بيد أنه كان يتعين المصادقة على مشروع الدستور قبل أن يتحول إلى قانون.
بعض الدول الأوروبية رأت أن برلماناتها يمكن أن تقوم بهذه المهمة دونما حاجة لإجراء استفتاء، في حين اختار بعضها الآخر مثل فرنسا أن تحيل أمر المصادقة إلى استفتاء شعبي. ومن المعروف أن السجال حول الدستور الأوروبي قد سيطر على المسرح السياسي الفرنسي خلال الشهور الماضية. ومع استثناءات قليلة، يمكن القول إن النخب السياسية الفرنسية سواء تلك الموجودة على يسار الوسط، أو على يمينه، قد قامت بحملة دعائية واسعة النطاق من أجل التصويت على الدستور بالموافقة. ولكن تيار أقصى اليسار (الحزب الشيوعي) وأقصى اليمين (الجبهة الوطنية) دعيا إلى التصويت على الدستور بالرفض. وكان لكل منهما أسبابه. الحزب الشيوعي لأنه يخشى من كون الدستور يمنح سلطات مبالغ فيها إلى قوى السوق، مما يهدد بالتالي دولة الرفاه. أما الجبهة الوطنية فلأنها تريد أن تدافع عن السيادة الفرنسية، ضد تدفق العرب والأفارقة وغيرهم من الأجانب، وتغلغلهم في نسيج المجتمع. أما الناخبون الفرنسيون فهم بين بين. فهم أكثر اهتماما بموضوعات مثل البطالة، وانخفاض الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، والمخاطر المصاحبة للعولمة، مما جعلهم بالتالي يميلون ناحية التصويت بـ"لا".
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أنه على الرغم من أن فرنسا كانت من الأعضاء المؤسسين وقائدة المشروع الأوروبي، إلا أن العديد من الرجال والنساء فيها يبدون الآن كما لو كان اهتمامهم بشؤون القارة الأوروبية قد فتر، ولم يعد كما كان من قبل.
على نحو ما يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي يعتبر ضحية نجاحه. فجيل الشباب في أوروبا ينظر إلى أن الحرب غدت ذكرى بعيدة، ويأخذ هذا الأمر على أنه شيء مسلم به ولا يحتاج إلى نقاش، وأن السلام والديمقراطية قد تجذرا في أوروبا، وأن الرخاء قد انتشر، وحقوق الإنسان محترمة، علاوة على أن القدرة على الانتقال والتجول ما بين دول الاتحاد الأوروبي بحرية ويسر، قد باتت الآن من الأمور الطبيعية التي لا يمكن الرجوع عنها. ولا ننسى كذلك الراحة الكبيرة التي يوفرها التعامل بعملة واحدة هي اليورو الذي وافقت 12 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد حتى الآن على اعتماده كعملة مشتركة.
طالما أن الأمر كذلك، فما هو السبب الذي جعل أنصار التصويت بـ"لا" على الدستور الأوروبي يكسبون أرضا في فرنسا؟
من ضمن الأسباب التي يمكن أن يعزى إليها ذلك، أن توسيع الاتحاد الأوروبي من 15 دولة إلى 25 دولة قد تم دون استشارة شعبية، وبالتالي فإنه لا يحظى بقبول شعبي واسع. ففرنسا التي كانت تعتبر نفسها مركز الاتحاد، وقلبه النابض، أصبحت الآن تشعر بأنها قد غدت محاصرة بأعضاء جدد من خارج أوروبا الغربية مثل سلوفينيا، والمجر، وقبرص، ومالطا، وهي دول لا يعرف