خلال ثلاثة أيام توالت أخبار من العراق، لها جميعاً علاقة بالزرقاوي وقاعدته الجهادية· ففي يوم السبت الفائت نشرت جماعة الزرقاوي نصاً منسوباً إليه يسوّغ قتل المدنيين بإعادة الأمر إلى مفهوم "التترُّس" الوارد في كتب السِّير والجهاد الإسلامية القديمة. والواقع أن النصَّ المذكور ورد أول ما ورد في كتاب السِّير لمحمد بن الحسن الشيباني (189هـ/804م)، وهو يقول إنه إذا احتل العدو قلعة أو موطناً في ديار المسلمين، واحتمى بالضعفاء من السكان واتخذهم رهائن، فإنه يجوز للمقاتلين المسلمين إن لم يجدوا سبيلاً للوصول إلى العدو إلا عبر المدنيين أن يهاجموه من تلك الجهة، ولو أدّى ذلك إلى وقوع خسائر بين النساء والأطفال والرهائن وغير المسلحين. وهذا النصُّ الذي تكرر في كتب الجهاد بعد ذلك، يخالف ما جرى التعارف عليه من ضرورة صون النفس البشرية بأي ثمن وحتى أثناء القتال. فالشيبانيُّ نفسه يذكر أنه إذا اتخذ المسلمون رهائن من الكفار، وكذلك المحاربون الآخرون، ثم قام المحاربون غير المسلمين بقتل رهائنهم المسلمين، فإنه ليس للمسلمين أن يفعلوا مثل ذلك برهائنهم. ثم إن ذلك كله فرضيات من جانب فقهاء مستريحين جالسين ببغداد، وليس على الجبهة مع البيزنطيين أو الترك في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي. وأخيراً فإن الزرقاوي ومجاهديه قتلوا مئات وربما آلافاً من المدنيين بالعراق دونما حاجة للاحتجاج بالتترُّس! ثم من الذين يتترس بمن؟ الأميركيون بالمدنيين أم الزرقاوي؟ ثم ما هذا الاحترام المفاجئ لأنفس وأرواح المدنيين، وأكثرهم في نظر الزرقاوي كفار أو مرتدون؟!
أما الخبر الثاني الذي ورد من العراق، ويتعلق بالزرقاوي، أن الأميركيين أضافوا إلى هجماتهم على القائم والبلدات الأخرى الحدودية مع سوريا، هجوماً شاملاً في غرب بغداد حيث يرجون العثور هناك على الزرقاوي أو بعض كبار مساعديه، بعد إذ أخطأوه وأخطأهم على الحدود السورية. ثم جاء الخبر الثالث يوم الثلاثاء الفائت، حين بثّ أنصار الزرقاوي خبراً على الإنترنت أنه أصيب، ويسألون المسلمين الدعوة له أن يأسوَ الله جراحه حتى لا يتأثر الجهاد أو يتعطل. وهذا الخبر قد يكون مدسوساً من الأميركيين لمعرفة ردود الفعل. لكن أحداً ما ردّ عليه بالنفي، بحيث يغلبُ على الظن صحتُه. وإذا كان صحيحاً، فقد يعني ذلك أنه قُتل، ويُراد من وراء الخبر التمهيد لإعلان ذلك. ومع ذلك يبقى غريباً الإسراعُ إلى الإعلان، إذ في مثل هذه الحالات يُخفي المقاتلون الإسلاميون أخبار خسائرهم، كما تعودنا على ذلك منهم في الجزائر والشيشان وأفغانستان.
وعلى أي حال، فإن تنظيم الزرقاوي ضعُفَ بعد مذبحة الفلوجة، ثم المذابح الأخرى التي تبادلها التنظيم مع الأميركيين أو مع معاونيهم من رجالات الجيش وقوى الأمن والتنظيمات الميلشياوية العراقية الأخرى. وهناك تنظيم متطرف آخر هو تنظيم "أنصار السنة"، لكنه كان دائماً أقل تركيزاً من الزرقاوي على الأميركيين، وربما كان أقلّ قوة منه، ولذلك فسيقع العبء الأكبر في المدى المنظور على بقايا جماعة صدّام، الذين يبدون منذ شهور منهمكين في الهجوم على معسكرات الشرطة والحرس الوطني العراقي، وليس على الأميركيين.
ولنعد إلى أجزاء أخرى من المشهد العراقي المأساوي، فقبل أيام اتهم الشيخ حارث الضاري، رئيس هيئة العلماء المسلمين بالعراق، قوات بدر (التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية/آل الحكيم) باغتيال علماء وأئمة من السنة. ونسب ذلك إلى النفوذ الإيراني (الخبيث) لإحداث فتنة طائفية بالعراق. ورد عليه كثيرون مكذبّين، ومن بينهم ليث كُبّة، المتحدث باسم الحكومة العراقية، الذي زعم أنه ليس من حق الشيخ الضاري استنكار العنف ضد السنة، إلا إذا تبرأ هو نفسه من كل عنف ضد المدنيين وغيرهم. والضاري ورفاقه يقومون بذلك فعلاً ومنذ زمن، لكنهم يدعمون المقاومة ضد الأميركيين حتى يخرجوا من العراق، أو يحددوا جدولاً لانسحابهم. والطريف أنه وسط هذه المعمعة، وهذه الأنهار من الدم المُراق، يبدو السيد مقتدى الصدر وحده العاقل، والذي بقي بمنأىً عن الدخول في الصراع السني/الشيعي المتفاقم. ولذلك فقد عرض التوسط بين هيئة علماء المسلمين، والمجلس الأعلى، ووافق الطرفان. ولا ندري بعد مآلات هذه الوساطة.
وإذا بدا مقتدى الصدر مرفوع الرأس فوق العشوائيات، فهناك عشوائيات أخرى ما تنبه لها المتحدث باسم الحكومة العراقية العظيمة. فقد جاءت كوندوليزا رايس شخصياً إلى بغداد لتتوسط من أجل إشراك السنة في لجنة صياغة الدستور! بيد أن ضغوطها في ما يبدو ما وجدت صدىً حتى الآن على الأقل. إذ إنه تقرر تعيين شيعي رئيساً للجنة، وكردي نائباً للرئيس. وما كان منتظراً أن يحدث غير ذلك، فقد انقضت ثلاثة أشهر ونيف حتى أمكن تشكيل حكومة بعد انتخاباتٍ ما شارك فيها غير الشيعة والأكراد. وإذا قيل بعد ذلك إن الأميركيين مذنبون في الحالة الطائفية المستشرية، فإن أحداً لن يصدق. صحيح أن أحداً لا يستطيع إرغام السنة على المشاركة في الانتخابات، لكن كان من الممكن إشراكهم ب