نحن في أحد صفوف المدرس آرون بيكر. الوقت هو عشية الانتخابات العراقية، والاستعدادات جارية على قدم وساق. الموسيقى الإسرائيلية الشعبية تصدح في الفناء الخلفي، أما الإسلاميون والملكيون فهم منهمكون في وضع اللمسات الأخيرة على مواد إعلانية، كما أن أعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني مستغرقون في البحث عن القلنسوة الكردية. بعدها بدأ إلقاء الخطابات، الخطاب الخاص بممثلي الجمعية الوطنية العراقية يدافع عن الديمقراطية، في حين تغلب على خطاب حزب الدعوة نبرة إسلامية، أما الحزب الديمقراطي العراقي فيجادل لماذا سيشكل تأجيل الانتخابات العراقية فرصة لمشاركة كافة المواطنين؟.
لم يكن ذلك مقطعا من الحياة السياسية العراقية، ولكنه مشهد مألوف في مدرسة "إيفانستن تاونشب" الثانوية. فمنذ أن طرحت المدرسة متطلب الدراسات العالمية سنة 1988، أصبح المنهج الدراسي يمتلئ بمواد جديدة من قبيل التاريخ الدولي والثقافة والسياسة الخارجية. ولم يقتصر الأمر على هذه المرحلة، بل حتى في مرحلة ما بعد الثانوية أصبح للمنهج الدراسي ميول نحو الدراسات العالمية التي يتعرف فيها الطلبة على نموذج الأمم المتحدة، والوعي الإسلامي، وحفلات الشاي اليابانية.
غير أن هذا النزوع إلى الدراسات العالمية التي تتميز بها مدرسة "إيفانستن تاونشب" جعلتها تبدو شاذة وغريبة في الولايات المتحدة. فأغلب المدارس الأميركية يبقى نطاقها محصورا في الولايات المتحدة، أو الحضارة الغربية. وهو ما يحذر منه عدد كبير من التربويين ورجال الأعمال، حيث يمكن أن يكلف هذا الانغلاق أميركا غاليا. فالطلبة الأميركيون هم في حاجة إلى فهم العالم خارج حدودهم الوطنية، لأننا نعيش في عالم أصبحت فيه الشركات والقرارات السياسية، بل حتى الثقافة الشعبية أمورا عالمية تتعدى نطاق الحدود القومية.
إن ما يلاحظ هو أن العديد من الطلبة الأميركيين يأتون في المؤخرة بالمقارنة مع أقرانهم عندما يتعلق الأمر بالمعلومات العالمية. وهذا ما أوضحه استطلاع رأي أجرته مؤسسة "ناشيونال جيوغرافيك" سنة 2002 شمل شبابا من تسع دول، حيث صنف الطلبة الأميركيون في المراتب الدنيا فيما يتصل بمعلوماتهم عن العالم. ولم يتمكن سوى واحد من سبعة طلاب تحديد موقع العراق على خريطة للشرق الأوسط.
بيد أن مايكل ليفين المدير التربوي في "أيجيا سوسايتي" أكد أن هناك تغيرا بدأ يحصل في المدارس، حيث شرعت بعض الولايات في طرح متطلبات تعكس مناهج تُعنى أكثر بالقضايا العالمية، كما أن هناك من بدأ يقر بأهمية تعلم اللغات. وهو يعتقد أن هذه التحولات "جاءت من خارج الوسط التربوي، وهي مدفوعة أكثر بضرورات التطور الاقتصادي في ظل مناخ معولم، وقد أدرك رجال الأعمال والحكومات أن ما هو مطلوب حاليا هي مهارات من نوع آخر".
وبالنسبة للكثيرين أصبحت مدرسة "إيفانستن تاونشب" الحائزة على جائزة التميز في التعليم العالمي لسنة 2003 نموذجا يحتذى به. فمدرسة "إيفانستن" تجعل من التعليم الذي يُعنى بالقضايا العالمية متطلبا ضروريا، وليس فقط متطلبا اختياريا، حيث يأخذ طلبة السنة الثانية عاما كاملا من مواد "وجهات عالمية" تشمل كلا من آسيا وإفريقيا وروسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، كما يدرسون مواد التاريخ التي تغطي جميع قارات العالم. ولا تقتصر الدراسات العالمية على العلوم الاجتماعية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى الآداب واللغات مثل الفرنسية والإسبانية، بالإضافة إلى الألمانية والعبرية واليابانية. وتكمن فرادة مدرسة "إيفانستن" في أنها قطعت أشواطا متقدمة في تطبيق المناهج الدراسية ذات التوجه العالمي، مما أيقظ اهتمام مدارس أخرى لتحذو حذوها.
ورجوعا إلى درس السيد بيكر حول الشرق الأوسط نجد أن الطلبة يتبنون هوية جديدة عندما يبدأون الفصل الدراسي. وهكذا يمكن للطالب أن يصبح أحد أقطاب النفط الكويتيين، أو طالبا لبنانيا، أو حتى مستوطنا إسرائيليا يحمل اسما ووظيفة مختلفتين ترافقانه طيلة الفصل الدراسي. وفي هذا الصدد، يصرح السيد بيكر من داخل فصله، الذي زين بوسائد وسجاد من الشرق الأوسط، بأن تبني هويات جديدة "يدفع الطلاب للتفكير خارج حدود ذواتهم الضيقة"، وللتماهي مع هوياتهم الجديدة يقوم الطلاب بتقليد بعض عادات وتقاليد أهل تلك المنطقة كافتراش الأرض وارتداء الحجاب لبعض الوقت. وفي سياق متصل يقول "روب فيفر" أحد الطلاب الذين يدرسون مواد عن الشرق الأوسط بأنه مثل في السنة الماضية دور مقاتل فلسطيني "كنت فيما مضى أدعم الاستيطان الإسرائيلي، لكنني الآن أدرك أن الأمور ليست قطعية، بل تحتمل وجهات نظر مختلفة". أما الطالبة الباكستانية فيزا حسين والتي تعودت أن تشاهد التلفزيون الباكستاني في منزلها، فقد قالت إنها "تخلت عن الكثير من الصور النمطية التي كانت تحملها عن الإسرائيليين" وذلك بعدما قامت بتمثيل دور أحد الفتية الإسرائيليين كجزء من مواد عن الشرق الأوسط.
ويقوم الطلبة كذلك بمناقشة الأوضاع في الشرق الأوسط بتوجيه من مدرسهم السيد بيكر، وقد أنشأ أحد الطلاب ناديا عن ا