على الرغم من أن الرئيس الهندي أبوبكر زين العابدين عبد الكلام صاحب منصب شرفي، فإن زيارته إلى موسكو في الأسبوع الماضي اكتسبت أهمية خاصة لأسباب تتعلق من جهة بأجندة محادثاته مع الروس، ومن جهة أخرى بطبيعة تخصصه العلمي المتفق مع طبيعة تلك الأجندة. تفصيلا ، يمكن القول إن التعاون بين البلدين في المجالات الدفاعية والفضائية كان البند المهيمن، إن لم يكن الوحيد، على جدول الأعمال. وهذا موضوع يعتبر عبد الكلام خير من يستطيع الحديث فيه نيابة عن حكومته بسبب دوره المشهود في تطوير قدرات بلاده الصاروخية والنووية والفضائية والذي لقب بسببه بأبي القنبلة النووية والصواريخ الباليستية الهندية، قبل أن يصبح مستشارا علميا لرئيس الحكومة فرئيسا للجمهورية. هذا ناهيك عن أنه بسبب مهامه هذه، وروابط بلاده الاستراتيجية الطويلة في المجالين العسكري والعلمي مع الاتحاد السوفييتي زمن الحرب الباردة، ارتبط مع الروس بعلاقات عمل قديمة، وبالتالي فهو يعرفهم عن كثب ويجيد محاورتهم والدخول معهم في مناظرات فنية من تلك التي لا يجيدها الساسة.
أهمية الزيارة تكمن في مجيئها في وقت تسعى فيه الهند إلى تحديث أسلحتها وتطويرها ضمن سياسة المحافظة على مكانتها كقوة آسيوية كبرى في ظل المنافسة الحامية من قبل الصين. وأفضل دليل على هذا المنحى الهندي هو ميزانية 2004- 2005 التي خصص منها نحو 17 بليون دولار للإنفاق على المجال الدفاعي شاملا تجديد الترسانة الحربية والتوسع في الإنتاج العسكري وتغذية الأبحاث العلمية ذات الصلة.
والزيارة أيضا جاءت في وقت تلبدت فيه بعض الغيوم في سماء العلاقات الهندية-الأميركية كنتيجة لقرار واشنطن مؤخرا تزويد باكستان بمقاتلات حديثة من نوع اف 16 المتطورة والقادرة على حمل قنابل نووية (على الرغم من إبداء الإدارة الأميركية استعدادها لتزويد الهند بالسلاح ذاته وتقدمها بعروض تشمل الإنتاج الحربي المشترك والتعاون النووي في الأغراض السلمية). إذ ردت نيودلهي على الخطوة الأميركية بالإعلان عن صفقات عسكرية جديدة بمئات الملايين من الدولارات مع روسيا، ليتجاوز حجم الإنفاق الهندي على التعاون العسكري مع الروس منذ عام الستينيات 33 بليون دولار طبقا لصحيفة البرافدا. وفي الوقت نفسه أفصحت الهند عن صفقات عسكرية مع ألمانيا وايطاليا وإسرائيل إضافة إلى صفقة مع دولة قطر لشراء 12 طائرة مستعملة من نوع ميراج 2000.
وتواجه مخططات الهند لتحديث أسلحتها وتعزيز قوتها عقبات داخلية، مما يجعل تنفيذها بطيئا وبالتالي يحبط معنويات مؤسسة الجيش القلقة من احتمالات تراجع إمكانياتها القتالية والدفاعية لصالح قوى إقليمية منافسة. فهناك البيروقراطية التي تعيق سرعة اتخاذ القرارات. وهناك المماحكات العقيمة بين الساسة والتي غالبا ما تتخذ من مسألة احتمال وقوع فساد في صفقات الأسلحة الضخمة – كان آخره اتهام أطراف في الحكومة السابقة بقبض عمولات من وراء صفقة لشراء بنادق آلية من جنوب أفريقيا - مبررا للتريث والتدقيق الطويلين في صفقات السلاح الجديدة. وينطبق هذا على ساسة حكومة حزب المؤتمر الحالية الذين يبدون أكثر حذرا بسبب ما تعرض له حزبهم من اتهامات زمن زعيمه الراحل راجيف غاندي بجني عمولات كبيرة من وراء صفقة لشراء السلاح من السويد بقيمة 1.3 بليون دولار في عام 1986.
إضافة إلى ما سبق ، فإن بطء العملية يعود في جزئية منه إلى الجدل الدائر في الأوساط السياسية والعسكرية حول الخيارات المعروضة ومصادرها. وبعبارة أخرى هناك فريق يفضل مواصلة الاعتماد بصورة رئيسية على السلاح الروسي رغم اختلاف ظروف الحاضرعن الماضي يوم كانت الهند تحصل على الأسلحة السوفييتية عبر مقايضتها بالبضائع الهندية الرخيصة أو عبر الدفع المؤجل، ورغم أن السلاح الروسي لم يتطور كثيرا في تكنولوجياته منذ سقوط الاتحاد السوفييتي. وحجة هذا الفريق الأولى هي أنه يمكن من خلال الشراكة العسكرية مع الروس استثمار التقدم التكنولوجي الهندي في التصنيع العسكري الروسي، خاصة وأن موسكو مهتمة بالأمر. أما حجته الثانية فهي أن التعاون الدفاعي مع موسكو غير مقيد بشروط من تلك التي تضعها واشنطن على زبائنها والخاصة بمجالات استخدام السلاح أو إعادة إنتاجه أو تصديره.
في مواجهة هذا الفريق هناك من يحبذ تنويع مصادر السلاح أو الاعتماد بصورة مكثفة على السلاح الأميركي والأوروبي للاستفادة من التقنيات الغربية الأكثر تطورا وإيفاء بالحاجات المستجدة. ويبدو أن هذا الفريق قد خسر الآن نقطة لصالح منافسيه بسبب صفقة السلاح الأخيرة بين واشنطن وإسلام آباد.
وهكذا فإن زيارة عبد الكلام إلى موسكو يبدو أن هدفها هو الانتقال بالتعاون الدفاعي الهندي – الروسي من علاقة البائع بالمشتري إلى علاقة الشراكة استثمارا وإنتاجا وتسويقا، تسريع ما اتفق عليه في الأعوام 2001 و2002 و 2004 من مشاريع عسكرية ونووية. إحدى هذه الاتفاقيات كانت حول بناء الروس لمحطة نووية في جنوب الهند بقوة 2000 ميغاوات (يجري العمل فيها حاليا وينتظر اتمامها في عام 2008).