المأمول أن ترى هذه السطور النور في وقت تكون فيه معاناة البحارة الإماراتيين الـ20 المحتجزين لدى السلطات الإيرانية قد انتهت، وقد عادوا جميعا إلى أرض الوطن.
إذا لم يتم ذلك فسيكون، قد مر اليوم أكثر من عشرة أيام على تلك المعاناة الإنسانية التي بدأت بتاريخ 16 مايو الحالي. والمأمول أيضا، أن تكون هذه الحادثة هي الأخيرة في سلسلة حوادث مطاردة خفر السواحل الإيرانيين للصيادين الإماراتيين واحتجازهم، حيث اعتادت السلطات الإيرانية على احتجاز رعايا دولة الإمارات بين الحين والآخر، دون إبداء أسباب حقيقية أو مبررات واقعية، وإن كان حجتها الظاهرية الدائمة أنهم يمارسون نشاط صيد الأسماك في المياه الإقليمية التابعة لها.
وتؤكد ملابسات احتجاز الصيادين الإماراتيين في هذه الحادثة وقبلها، أنه لا يوجد مبرر حقيقي يسمح لسلطات البحرية الإيرانية أن تقوم بمطاردة البحارة الإماراتيين في المياه الدولية والقبض عليهم واحتجازهم بحجج واهية. كما أنه لا يوجد مبرر يسمح لها بتكرار مثل تلك الحوادث ـ باعتبار أن هذه الحادثة ليست الأولى وقد سبقتها حوادث أخرى آخرها تم حلها في أكتوبر الماضي ـ ودون التنسيق مع السلطات الإماراتية بشأن الإجراءات التي تتخذها تجاه رعايا الدولة، هذا، إذا ذهبنا بعيدا مع ما تزعمه السلطات الإيرانية وافترضنا دخول الصيادين الإماراتيين المياه الإقليمية لإيران.
الحقائق الجغرافية والتاريخية تقول إن إيران دولة جارة وتربطنا بها علاقات دبلوماسية وتاريخية. ولكن الواقع ربما يشير إلى ما يخالف هذه الحقائق. وهناك العديد من الأمثلة على ذلك، ولعل حوادث احتجاز الصيادين الإماراتيين وأسلوب التعامل معهم (اعتقالهم بالقرب من الجزر التابعة لدولة الإمارات، ومنعهم من إجراء الاتصالات مع ذويهم) أحد تلك الأمثلة وأحدثها زمنيا، وهذا بالطبع لا ينسجم مطلقا مع سياسة "نزع التوتر"، التي بدأت مع مجيء الرئيس محمد خاتمي إلى الحكم ولكنها الآن تتراجع.
شخصيا, لا أتفق مع المحاولات الإعلامية لتضخيم حوادث احتجاز قوارب الصيد وتصويرها وكأنها "معركة قوارب الصيد" كما وصفها تقرير إعلامي صدر يوم الأحد الماضي, مؤشرا على تأزم العلاقات مع الجار الإيراني. كذلك لا أتفق مع من يرى أن احتجاز السفن سجال متبادل بين الإمارات وإيران, بسبب سوء العلاقات الثنائية، إذ لم يطرأ على هذه العلاقات متغيرات تشير إلى تحسنها أو العكس، ناهيك عن أن الإمارات معروفة باحترامها لدول الجوار ولا تنتهج سياسات انفعالية أو تصرفات تعكس ردود أفعال. كما أن احتجاز قوارب الصيد من جانب سلطات إيران لا يقتصر على الإمارات بل سبق أن تعرضت قوارب من دول أخرى في مجلس التعاون (الكويت وقطر) إلى ممارسات كهذه.
إذا كان من المؤسف أن يدفع صيادون أبرياء ثمن الحسابات الإيرانية في رفضها لأسلوب الحوار المباشر لحل القضايا الخلافية بينها وبين دول الجوار الخليجي، فإنه من المؤكد أن اصطناع أزمات واختلاق المشاكل غير المبررة لا يصب في مصلحة العلاقات بين إيران ودولة الإمارات، ولا يخدم كذلك أجواء الأمن والاستقرار في المنطقة، بل يسهم في تعميق الشكوك تجاه نوايا الجار الإيراني لجواره الخليجي.