لهذا المقال قصة حقيقية، أو ربما جزء من موقف مررت به. فقد ساقني القدر إلى تناول الشاي في أحد مراكز تقديم القهوة الغربية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبينما كنت جالسا منتظرا ما طلبت، لفت انتباهي الحديث العام الذي كان يدور بين مجموعة من المواطنين، كانت جلستهم بجانبي، وكلهم في مقتبل العمر، من الموظفين الجدد في مؤسساتهم، جلسوا لتناول القهوة، لبسهم من بلدي، لكن حديثهم كان باللغة الإنجليزية. وكانت الجريدة التي يتصفحونها كذلك بنفس اللغة. لم أصدق نفسي. لقد تصورت كل شيء إلا أنني في الإمارات العربية.
هؤلاء يا سادة يا كرام ليسوا ممن درس في الغرب كما هو شأن كاتب هذا المقال، فقد عرفت أنهم أكملوا دراساتهم الجامعية في دولة الإمارات العربية، ونشأوا في بيوت عربية، لكنهم افتقدوا أحد أهم أركان الوطنية في تصوري الشخصي، ألا وهي اللغة، التي لا تعبر في جوهرها عن وسيلة تخاطب، لكنها في حقيقة الأمر طريقة تفكير. السؤال هو من المسؤول؟ وهل هناك خطر فعلي على وطنية هؤلاء الشباب أم أنني أبالغ؟
قبل أن أعلق على هذه الواقعة ، إليكم الواقع من منظور آخر. ذكر لي من لا يكذب أنه دعي إلى اجتماع في إحدى المؤسسات الحكومية للتباحث حول قضية ما، جل من حضر الاجتماع من أبناء الإمارات إلا القليل من الأجانب. بدأ المدير وهو إماراتي الحديث باللغة الإنجليزية، ودار الحديث كذلك في بقية الجلسة، عندما جاء دور صاحبي للحديث حول قضية البحث وهي مسألة تجارية، قرر أن يفجر قنبلة في الاجتماع بأن تحدث باللغة العربية. قاطعه مدير الجلسة قائلا: هلا تحدثت باللغة الإنجليزية؟ فرد عليه صاحبي. هل تعرف اسم الدولة التي نحن فيها؟ قال: نعم, لكن السوق يطلب منا هذا الأمر.
الآن تخيل معي عزيزي القارئ إنسانا ما درس في مدرسة خاصة حيث تعامل اللغة العربية كلغة ثانية، ودرس مواد الهوية والحضارة كمادة التاريخ والجغرافيا باللغة الإنجليزية، وطبعا كتب هذا المنهج وفق لغة من كتبه. فلا وجود للحضارة العربية الإسلامية، وأما قضية فلسطين فهي منسية. تخرج هذا التلميذ من المدرسة كي يلتحق بجامعة لا يختلف منهاجها عن المدرسة في الفلسفة والأهداف. وبالرغم من أن هذه الكلية موجودة في دولة الإمارات إلا أنه لا يوجد فيها مادة واحدة عن مجتمع الإمارات أو الفكر الإسلامي.
تخرج هذا الإنسان ليرى أن بيئة العمل كما رأينا تتطلب التواصل بغير العربية. تزوج من الحبيبة التي مرت بنفس تجربته، وإذا كان هذا هو حال الآباء والأمهات فكيف سيكون مستوى الانتماء عند الأبناء والبنات؟، وهل ستبقى لدينا بعد ذلك هوية نعتز بها أو وطن نفخر بالانتماء إليه أو حتى تاريخ نفخر بأن أجدادنا صنعوه؟، أم أن مصدر افتخار الإنسان في هذه الحالة سيكون منجزات اللغة التي تشربها والفكر الذي رضعه والحضارة التي جاءت منها تلك اللغة.
إن مثل هذه العناصر كانت قليلة جدا في العالم العربي، وكانوا يعرفون بالمستغربين لأنهم درسوا في الغرب وعملوا إلى نقل ما درسوه في تلك الحضارة إلى أوطانهم، بل إن بعضهم اتهم بالعمالة للدول التي يتكلمون بلغتها لكثرة صلاته المشبوهة بتلك الدول، لكن أعدادهم كانت قليلة. كيف العمل مع جيل سيكون كله من المستغربين وإن درسوا في أوطانهم؟.
لست هنا من أنصار الانكفاء على الذات وإهمال اللغات الأجنبية، بل إنني أزعم أن دراسة لغة أجنبية زيادة في عقل الإنسان، ولكن هناك بون شاسع بين دراسة اللغة الأجنبية وبين تحول هويتنا إلى أجنبية.