مسألتان شغلتا الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي بشكل عام، وهما قصة تدنيس القرآن الكريم ونشر صور خاصة لأهم معتقل في العالم - الرئيس العراقي السابق- صدام حسين.
لا يمكن لمن يدعي احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان أن يؤيد نشر صور خاصة لأي سجين ولو كان صدام حسين. الصور التي نشرتها الـ"صن" اللندنية والـ"نيويورك بوست" الأميركية قبل أيام كانت بالنسبة للصحيفتين "خبطة" صحفية، ولكنها أيضا "لكمة" للولايات المتحدة الأميركية التي لا أتفق مع من قال إنها "سهلت" تسريبها. ولو كان ذلك التسريب أميركيا – فلا يمكن أن يكون على مستوى القيادة، ومن الجائز أن يكون قد سربها أحد الحراس نظير مبلغ من المال، أو أحد الأجهزة الاستخباراتية الأميركية لغرض في نفس يعقوب، والأجهزة والهواتف المحمولة المتطورة هذه الأيام قادرة على مثل هذا التصوير وتسريبه.
لا يزال التحقيق الرسمي الأميركي جارياً في كيفية تسريب تلك الصور ومن المسؤول عن ذلك، ولكن ردود أفعالنا العربية كانت مثارا للشفقة. فقد أجمع كثير من المراقبين والمعلقين والإعلاميين العرب على أن في نشر صور صدام حسين إهانة للعرب. ودلل أحدهم على أن في نشر صور صدام إهانة للعرب بعدم نشر صور شبيهة للرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش، ونسي صاحبنا أن ميلوسوفيتش تبرأ منه شعبه، وليس هناك من يفجر السيارات مستهدفا المدنيين في بلغراد من أنصاره. كما أن مجرم الحرب اليوغوسلافي، الذي ارتكب معظم مذابحه ضد المسلمين وليس ضد شعبه، ليس رمزا لعزة الشعب اليوغوسلافي, سوى أنصاره من بينهم، تماما مثل أنصار صدام الذين يتباكون على الكرامة العربية بنشر صوره.
لا أدري أين الإهانة في تعرية رمز من رموز قهرنا وتخلفنا وسحقنا وهزيمتنا؟. فصدام حسين شخصية لا يمكن لعاقل أن يرى فيها حسنا، ومن شعر بالإهانة, هم أولئك الذين يحنون إلى أيامه الخوالي، وكوبوناته النفطية، ومقابره الجماعية. أما من شرده صدام أو عذبه أو قتل أحد أقاربه وأصدقائه، فقد شعر بعدالة سماوية ما تجاوزت الصورة، وانتقمت للضحايا وإن بشكل غير قانوني ولا مشروع.
ما نسيه من شعر بالإهانة نتيجة نشر صور صدام، هو أن في النشر رسالة لفلول الصدامية, وهم كثر في زوايا عالمنا العربي وعلى كراسي الرئاسة والقيادة فيه، والمغزى من نشرها واضح لكل من يسومون شعوبهم الخسف، بأن ما جرى لصدام سيجري عليكم ولو بعد حين، فعلينا أن ننأى بأنفسنا عن الطغاة, حتى إذا جاءت ساعة نشر غسيلهم، لا نشعر بالإهانة، ولا نرى في إهانتهم ذلا وامتهانا لنا.
إن تدنيس أي كتاب ذي قيمة مسألة تثير الغضب - فما بالنا لو كان الكتاب الذي تعرض للتدنيس هو كتاب الله عز وجل. ما نشرته مجلة الـ"نيوزويك" عن تدنيس القرآن الكريم، أثار غضب كافة المسلمين، فخرجت المظاهرات الغاضبة في أفغانستان وإندونيسيا وأماكن أخرى وقتل وجرح العديد من المتظاهرين. والمجلة التي كانت المصدر الوحيد لحكاية التدنيس قد تراجعت عن تقريرها، وقالت إنه خطأ وغير صحيح، ولكن البعض منا يصر على أن التدنيس صحيح طبقا لرواية الـ"نيوزويك"، والـ"نيوزويك" تراجعت عن صحة الخبر، واستمر البعض مصرا على صحته...أو ليست مسألة تثير العجب العجاب؟ لماذا نصر على أن القرآن قد تم تدنيسه؟ وما هي مصلحتنا في نفي النفي الذي قدمته المجلة؟ وما هو مصدر إصرارنا وسبب عنادنا في أن القرآن الكريم قد تم تدنيسه؟
مسألتا صور صدام حسين وقصة تدنيس القرآن الكريم، تختزلان كثيرا من محنة العقل العربي، وتعكسان عمق مأساة هذا العقل المسكين!.