عرف تراثنا الفلسفي السياسي القديم أنواعا من المدن سماها الفارابي "المدينة الفاضلة" التي يحكمها العقلاء ويعيش فيها الناس سعداء، والمدينة الجاهلة عكسها. وهي على أنواع. المدينة الجاهلية التي لا تعي شيئا ولا ترى شيئا ولا تبصر شيئا من عواقب الأمور. والجهل ليس مصدرا من مصادر العلم. والمدينة البدالة التي كانت مدينة فاضلة ثم انقلبت على نفسها وتحولت إلى مدينة مضادة. ومدينة الخسة التي لا يحكمها مبدأ ويتحكم فيها الأراذل والأشرار. والمدينة الفاسقة التي يتحكم فيها الفساد والمال والنهب والسلب وتهريب الأموال. والمدينة الضالة التي حادت عن الطريق وخرجت على ثوابت الفضل. وأخيرا مدينة التغلب التي تقوم على الغلبة والقوة وتعتمد على العسكر والشرطة في الداخل قبل الخارج، مدينة التسلط والقهر والطغيان.
كما عرف التاريخ السياسي الحديث عدة دول في الغرب وفي الشرق على السواء. منها الدولة الليبرالية التي تقوم على الحريات العامة للمواطنين، حرية الفرد وديمقراطية الحكم، والعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، والفصل بين السلطات، وحقوق الإنسان والمواطن. وأصبحت أشهر نموذج للدول. يقدمها الغرب لغيره من الشعوب حقا أو باطلا نظرا للمعيار المزدوج الذي يمارسه، تفرقةً بين الشعوب والثقافات.
وقد تحولت الدولة الليبرالية بما تمخض عنها من نظام رأسمالي إلى دولة الرفاهية أو الوفرة نظرا لفائض الإنتاج لديها بعد إشباع الحاجات الأساسية للشعب. وهو النموذج الذي تدعيه الولايات المتحدة والدول الاسكندنافية بالرغم من وجود الفقر في الولايات المتحدة في "أبالاشيا" ولدى الأميركيين من أصل أفريقي، وجماعات المهاجرين من أصل أسباني، الـ"شيكانو"، وكثير من الأقليات... وبالرغم من سوء معاملة المهاجرين العرب خاصة المغاربة في البلاد الشمالية. وفي مقابل ذلك أعطى الشرق نموذج الدولة الشمولية التي تعطي الأولوية فيها للنظام على الفرد، وللأيديولوجيا على الرفاهية، وللسلطة على الشعب. وقد انهارت هذه الدولة بانهيار النظم الشمولية ابتداء من أوروبا الشرقية حتى الاتحاد السوفيتي السابق.
أما نحن العرب فقد أعطينا نظما لدول أخرى. بدأناها بالدولة الوطنية التي أسسناها بعد حركات التحرر الوطني. وأحيانا تسمى الدولة الوطنية الحديثة على نموذج الدولة الوطنية في أوروبا. بعد انهيار الإمبراطوريات الأوروبية وانهيار الإمبراطورية العثمانية. وأصبحت نموذجا للدولة المناهضة للاستعمار والصهيونية باعتبارها نوعا من الاستعمار العنصري الاستيطاني في فلسطين وجنوب أفريقيا. وهي الدولة التي تقوم على التخطيط الاقتصادي، والقطاع العام، ودعم المواد الغذائية للطبقات الفقيرة، والتصنيع، ومجانية التعليم، وتحديد إيجار المساكن، وتوفير العمل لكل الخريجين، والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي، وتحالف قوى الشعب العامل في حزب طليعي تقدمي واحد.
ثم بدأت هذه الدولة الوطنية في الانهيار التدريجي على مدى نصف قرن. وانقلبت على نفسها. وتحولت إلى ثورة متحالفة مع الاستعمار، متصالحة مع الصهيونية ومعترفة بها، وبيع القطاع العام إلى القطاع الخاص، والاستيراد، ورفع الدعم عن الطبقات المحرومة في الغذاء والسكن والصحة والتعليم، وإنشاء المدارس والجامعات الخاصة، وازدياد معدل البطالة. وتحول الحزب الطليعي إلى حزب حاكم واحد يقوم بأشد أنواع القهر باسم الأغلبية بعد تزوير الانتخابات. فنشأت الدولة التسلطية التي تحكم باسم الملكية أو العسكرية، دون بيعة حرة من الناس ودون اختيار حر بين مرشحين.
كما عرف العرب أخيرا "الدولة الرخوة" التي فقدت عصبها وصلبها. وأصبحت تابعة للخارج، حدودها مفتوحة لقوانين السوق. وإرادتها الوطنية المستقلة مفقودة بدخولها في أحلاف عسكرية تحت مسميات عديدة، التدريب أو المناورات المشتركة، الأمن الإقليمي. وهي الدولة التي لم يعد يهابها أحد في الداخل، وأصبحت ثرواتها نهبا للناهبين.
وعرف العرب أيضا "الدولة الريعية" التي يقوم اقتصادها على ريع واحد هو ريع النفط. وفي حالة الاستغناء عن النفط ببدائل أخرى للطاقة أو في حالة انخفاض الأسعار بإغراق السوق بكميات من النفط أو في حالة احتلال آبار النفط من دولة إقليمية أو قوة عظمى حماية للاقتصاد الغربي، ينتهي ريع الدولة. فتنتهي الدولة.
والأخطر من ذلك كله، وهو القاسم المشترك بين الدول التي نشأت داخل النظام العربي هي "الدولة الأمنية" عصب الدولة التسلطية. وهي الدولة التي تحكمها أجهزة الأمن، الشرطة، والأمن المركزي، ومباحث أمن الدولة، والمخابرات العامة، باسم الأمن القومي. ويعني أمن النظام. الدولة جزء منها وفي خدمتها، وليست هي جزءاً من الدولة وفي خدمتها. أجهزة الأمن أقوى من الرئاسة ومؤسسات الدولة، والمجالس النيابية، والقضاء، والجامعات، والنقابات، والاتحادات، والجمعيات المدنية، والمنظمات غير الحكومية، والصحافة القومية أو المعارضة، والمظاهرات السلمية، وكل تعبير حر عن الرأي أو تحرك شعبي لمطالبة بحق. فالمباحث لها السلطة العليا على الني