إن المواجهة الكبرى التي شاهدناها على شاشة التلفاز في منتصف الشهر الحالي بين سياسي برلماني بريطاني -جالاوي- وشيوخ أميركيين، قد مثلت ما هو أكثر من كونها مجرد مواجهة مسلية. إن تلك المواجهة، قالت للأميركيين أكثر مما كانوا يودون سماعه، عن مدى الازدواج الذي يمكن أن يصل إليه شيوخهم.
لقد قام النائب بالبرلمان البريطاني جورج جالاوي بمفرده، بإحراج الولايات المتحدة بأكملها يوم السابع عشر من مايو الحالي، عندما سلط الضوء على واحد من كبار السياسيين الانتهازيين الأميركيين وهو السيناتور"نورمان كولمان" الموالي لإسرائيل، والمنتمي للمحافظين الجدد، والمناوئ العنيد للأمم المتحدة. وكولمان هو مجرد سيناتور صغير يمثل ولاية مينوسوتا، تحدوه طموحات رئاسية مبنية على قيامه بإحراج الأمم المتحدة، واتهام رئيسها كوفي عنان باللصوصية، ومطالبته الدائمة للسكرتير العام للمنظمة الأممية بالاستقالة، وهو رجل يبحث بحثا محموما عن فضيحة كبيرة كي يصنع لنفسه اسما.
والشيء الذي فعله جالاوي به هو أنه رش دلوا من الماء البارد على تلك الطموحات المحمومة. لقد مسح به جالاوي، الخطيب المفوه، الأرض على مرأى ومسمع من أميركا، التي حاول ذلك السيناتور المنحوس التأثير عليها. والآن، فإن الطموحات الرئاسية لكولمان قد ماتت ودفنت، بعد أن أحرج كل زملائه في مجلس الشيوخ، ومعظمهم من الشخصيات المحترمة.
فقبل جلسة جالاوي، كان كولمان قد قام، وعلى مدار عام بأكمله، باستغلال منصبه كرئيس للجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، كي يوجه سيلا من الإهانات للأمم المتحدة وأمينها العام كوفي عنان. وكان كولمان يصف المنظمة الأممية بأكملها بصفات ليس أقلها أنها منظمة متعفنة لم تعد هناك حاجة إليها.
وكل ذلك كان قائما على الفضيحة المصغرة، التي لم تنتهِ التحقيقات بشأنها بعد وهي تلك التي يطلق عليها فضيحة النفط مقابل الغذاء، والتي لم يتم حتى الآن إدانة فرد واحد من الأفراد، أو حتى اتهامه، أو القبض عليه لارتكابه أي جريمة من الجرائم المشار إليها في تلك التحقيقات. وكل ما سمعناه حتى الآن بشأن تلك القضية، لا يزيد على إشاعات، مؤداها أن صدام حسين قد قدم وعودا لأصدقائه ببيعهم نفطا بأسعار زهيدة. وحتى لو كان صدام قد فعل ذلك, فلا يوجد هناك دليل على أنه قام بتسليمهم هذا النفط، وليس هناك أيضا دليل على أن السياسيين الأجانب الذين يفترض أنهم قد استلموا نفطا رخيصا من العراق - ومنهم جورج جالاوي- قد حصدوا مئات الملايين من الدولارات.
كل ما هناك هو مجرد قوائم وأسماء وإشاعات. بعد كل تلك الاتهامات قرر جالاوي أن يواجه كولمان على ملعبه في مجلس الشيوخ الأميركي، وأن يذهب إلى واشنطن كي يقدم شهادته تحت القسم. وربما يكون جالاوي قد قال الحقيقة عندما أكد أنه لم يشتر ولم يبعْ ولم يرَ في حياته برميلا للنفط. وإن جريمته الوحيدة هي أنه قد تجرأ على معارضة الغزو الأميركي للعراق.
ولم يقدم كولمان أي دليل يدين جالاوي: لا أرقاماً محددة، ولا شيكات، ولا أرقام حسابات يثبت فيها صحة ادعاءاته. كل ما فعله هو أنه جلس على مقعده كي يردد نفس الكلام الفارغ الذي اعتاد ترديده، في حين راح جالاوي يوجه إليه الضربات الواحدة تلو الأخرى في صورة أسئلة يقول له فيها كل مرة:"أين دليلك أيها السيناتور؟".
وكل ما فتح به الله على كولمان بعد أن مرغ جالاوي أنفه في التراب هو أن قال له أنه - جالاوي- ربما يكون قد كذب فيما يقوله، وأنه لو ثبت ذلك فإنه سيتعرض لعواقب وخيمة.
لقد بدا كولمان وهو يقول ذلك لـ"جالاوي" مثل تلميذ المدرسة الذي ينهزم في شجار له مع زميل في ساحة المدرسة فيقول له - أي لزميله الذي ضربه- إنه سوف يحضر والده كي يرد عليه، ويريه قدر نفسه.
إن فضيحة النفط مقابل الغذاء الذي حاول ذلك السيناتور الموالي لإسرائيل، والمعادي للأمم المتحدة إثباتها، لم تمثل إحراجا للأمم المتحدة بقدر ما مثلت إحراجا لهؤلاء الذين حاولوا بناء أركانها، وتسويقها باعتبارها "أم الفضائح المالية". فبعد مرور 12 شهرا كاملة على بدء التحقيقات، وجد هؤلاء الذين يحاولون إحراج المنظمة الدولية، أنفسهم يمسكون بمجرد قصاصة هزيلة من الأدلة, تتمثل فيما يعرف بـ" التقرير المؤقت" الذي أعده بول فولكر، الرئيس السابق للبنك المركزي الأميركي، والذي اشتهر بعجزه عن الوصول إلى دليل الجريمة. ومن حقنا الآن أن نسأل بعد أن أضاع 60 محققا كل ذلك الوقت، وأنفقوا حتى الآن ما يزيد على 40 مليون دولار، وكتبوا العديد من التلميحات عن حدوث حالات اختلاس بمليارات الدولارات بواسطة عشرات الأشخاص. من حقنا أن نسألهم الآن: أين الدليل على صحة اتهاماتكم، وأين ذهبت تلك النقود؟
من المؤكد، أن عنان كان يجب عليه قبول اللوم على التجاوزات التي حدثت خلال فترة مسؤوليته عن المنظمة الدولية. ولكن الأمر برمته لا يكفي كي نقوم بوصم المنظمة كلها بالفساد، وأن نلمح إلى أن رئيسها الحالي، وكذلك سلفه بطرس بطرس غالي اللذين تم الزج باسميهما زو