كنت قد توقفت في المقال السابق، عند نقطة تمثل في تصوري إشكالية كبيرة في مسيرة التقارب والحوار بيننا وبين الغرب، هذه النقطة تتركز في صورة الكراهية والتحريض والتشهير الذي يمارس بقوة هذه الأيام في ثقافة الغرب وصحافته ووسائل إعلامه المختلفة ضد العرب والمسلمين، والتي وصلت في حدتها إلى درجة تدنيس القرآن الكريم، حيث إن استمرارية تغذية المواطن الغربي بهذه الثقافة العنصرية الشريرة الحاقدة، وبهذا المستوى وهذا الشكل من الكراهية، ستنتج لنا حالة شديدة من "الإرهاب"، وصورة عنيفة من السياسات الغربية الحادة والتي قد تؤثر كثيراً على حالة التقارب الحضاري بيننا وبين الغرب. وإنني بصراحة لا أشعر أبداً أن مثل هذا التقارب والحوار الحضاري قد ينجح في ظل استمرار السياسات الآتية:
1- إصرار الغرب على الاستمرار في استراتيجية نشر ثقافة الكراهية، وذلك عن طريق تصعيد حملات التشهير والتحريض والتزييف وفبركة الحقائق، في كل ما يخص الإسلام والعرب والإنسان العربي المسلم، إلى درجة أن انتقد العالِم اللغوي الشهير ناعوم تشومسكي هذه الحالة قائلاً: إن الصحف الأميركية تجلب العار على نفسها عندما تتعمد نشر رسوم كاريكاتيرية ذات مستوى عنصري، تصور الشيوخ العرب وكأنهم قرروا تقويض المدنية الغربية برفع أسعار النفط.
2- ممارسة سياسة "الصدام الاستباقي" وسياسة الهيمنة والهجوم العسكري ولغة الاستعمار مع العالم العربي والإسلامي، كمنهج بديل لسياسة التقارب والحوار بين الحضارات، وهذا أمر جد خطير وخاصة أنه يمارس الآن بقوة في سياسة الإدارة الأميركية الحالية.
3- إصرار المؤسسات الغربية على استثمار حالة الجهل المتفشي في العالم الغربي بخصوص الأمة العربية والإسلامية، وأعني بذلك أن الرأي العام الغربي لا زال يجهل خصوصيات العالم العربي والإسلامي وحضارته ودينه ولغته العربية ومشكلاته، بشكل واضح وسليم نتيجة التضليل المتعمد الذي تمارسه هناك "الآلة الإعلامية"، وذلك لأهداف ومصالح سياسية تنعكس آثارها في كثير من الأحيان على الشعوب الغربية.
4- الإبقاء على الصورة العدائية المترسبة في الوعي الغربي منذ مرحلة الحروب الصليبية تجاه العرب والمسلمين.
إن خطورة استمرار مثل هذه السياسات في نسيج الفكر الغربي واستراتيجية علاقته مع العالم العربي والإسلامي، سيدمر كل المحاولات التي تبذل لتحسين الصورة وتقريب وجهات النظر فيما يخص الفهم المتبادل بيننا وبينهم، وخاصة أننا نصطدم كل يوم بثقافة غربية سوداء وحملة إعلامية لم تعد لها حدود أو مبادئ أخلاقية أو ضمير حي في احترام خصوصية مجتمعاتنا العربية والإسلامية وخصوصية الإنسان العربي المسلم، حملة إعلامية ظالمة لا ترى فينا إلا دولاً متخلفة وشعوباً جاهلة، تحركها الأحقاد والأطماع والشهوات والمكيدة والخبث، لا ترى فينا إلا صورة الإرهابيين والقتلة الذين يتحفزون لاجتياح قلاع الحضارة الغربية في صورة "الخطر الأخضر" وصورة الحرب المقدسة.
نحن نعاني اليوم من هجمة إعلامية غربية شرسة، خطورتها أنها تتفق قلباً وقالباً مع مشاريع وأطماع الهيمنة الغربية في المنطقة العربية والإسلامية، هذه الهجمة الإعلامية المسمومة والمصحوبة بمستوى عالٍ من التدني والألفاظ والأوصاف والنعوت والروائح الكريهة، تحتاج منّا إلى وقفة صريحة وجادة وردة فعل حقيقية تتناسب تماماً مع قوة مثل هذه الهجمة الإعلامية المسمومة.