يبدو لي أن احتمالات اكتساب كل من كوريا الشمالية وإيران للأسلحة النووية، وهما الدولتان الأكثر عداءً للولايات المتحدة، تستقر عند حدود 50%، هذا إذا لم تكونا قد اكتسبتا بالفعل تلك الأسلحة. فعندما تدعي كوريا الشمالية امتلاكها للأسلحة النووية ربما تكون تكذب. وبنفس الطريقة عندما تقول إيران إنه ليس لديها أية أسلحة نووية ربما تكون تكذب أيضا، خصوصا إذا ما عرفنا أن كلاً من كوريا الشمالية وإيران لهما باع طويل في التضليل وافتراء الأكاذيب.
ولكن مهما يكن عليه الحال عن مدى تطور الأسلحة النووية في كلا البلدين، إلا أن الحقيقة تظل مع ذلك أنهما تتطلعان معا لامتلاك تلك الأسلحة، وتعملان معا على تطويرها، وتقومان معا بإخفائها، بالإضافة إلى رفضهما المتصلب معا لأية محاولة ردع تقوم بها بعض الدول التي تعتقد أنه من الخطورة ترك أية واحدة منهما تمتلك الأسلحة النووية.
وبالرغم من أن الخيار العسكري ليس مطروحا لدى إدارة الرئيس بوش، إلا أن المساعي الدبلوماسية ليست في أحسن أحوالها. فبالنسبة لكوريا الشمالية تعلق الولايات المتحدة آمالا عريضة على مباحثات تجري بين ستة أطراف هي أميركا والكوريتين الشمالية والجنوبية والصين وروسيا بالإضافة إلى اليابان. وعلى إثر النقاشات المباشرة التي أجريت مؤخرا على صعيد متدنٍ بين المسؤولين الأميركيين والكوريين الشماليين، تأكدت الولايات المتحدة أنه من المهم أن تمارس الصين نفوذها وتقوم بالضغط على كوريا الشمالية، لا سيما في ظل الدور المحوري الذي تلعبه بكين في تزويد بيونج يانج بما تحتاجه من الغذاء والوقود والمال.
ويبقى السيناريو السار في هذا الموضوع هو احتمال استجابة كوريا الشمالية لسياسة العصا والجزرة. فهي ستحصل على أشياء مهمة لتحسين اقتصادها المتهالك إذا ما وافقت على تعليق برنامجها لتطوير الأسلحة النووية. أما في حالة رفضها ذلك فستواجه عقوبات اقتصادية، بالإضافة إلى إجراءات جزائية أخرى. غير أن المشكل هو في تلك الإجراءات نفسها، فبينما يوجد إجماع بين محاوري كوريا الشمالية على ضرورة إخلاء شبه الجزيرة الكورية من أية أسلحة نووية، إلا أن هؤلاء المحاورين يختلفون عندما يتعلق الأمر بالإجراءات الجزائية. فالصين لا ترغب في زعزعة الاستقرار في كوريا الشمالية لما يمكن أن يتسبب فيه ذلك من نزوح اللاجئين إلى أراضيها، كما أن كوريا الجنوبية تدرك مدى خطورة جارتها الشمالية المسلحة التي لا تبعد عنها إلا بمرمى حجر.
وفي غضون ذلك تواصل كوريا الشمالية لعبة القط والفأر مع الدبلوماسيين متشبثة ببرنامجها النووي. وهذا ما أكدته وزارة الخارجية الأميركية والبنتاجون بالإضافة إلى محللين في الاستخبارات الأميركية، حيث أشاروا إلى أنه في الوقت الذي كان فيه البرنامج النووي يقتصر سنة 2002 على استعمال بضع عشرات من الآلات النابذة لتخصيب اليورانيوم في أحد المختبرات، ارتفعت قدرات هذا البرنامج بشكل مخيف بعد أن أصبح يعتمد الآن على الآلاف من الآلات النابذة.
أما بخصوص إيران، فقد قامت الولايات المتحدة بالاعتماد على الاتحاد الأوروبي لقيادة المساعي الدبلوماسية القائمة على سياسة العصا والجزرة. وتتمثل هذه السياسة في حصول إيران على حوافز اقتصادية مقابل تعليق برنامجها النووي. وإذا ما أصرت على مواصلة برنامجها النووي، فإنها ستتعرض لعقوبات الأمم المتحدة. وبالرغم من أن إيران قامت بتعليق أنشطتها الخاصة بتخصيب اليورانيوم خلال مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي، إلا أنها شددت على أن ذلك التعليق مؤقت ريثما تطَّلع على ما ستتمخض عنه تلك المفاوضات. أما تخليها النهائي عن تخصيب اليورانيوم فهي ترفضه رفضا باتا مبررة ذلك بالاستعمالات السلمية للطاقة النووية.
غير أن هذه التبريرات التي تسوقها إيران لا تجد آذانا صاغية من قبل الأميركيين ولا الأوروبيين، لأن إيران سبق أن قامت بإخفاء أجزاء من برنامجها النووي طيلة العشرين سنة الماضية وتظاهرت بعدم وجوده. وقد كُشفت في الأيام القليلة الماضية محاولة إيران الالتفاف حول الحظر المفروض على الصادرات الدولية لإيران عندما قامت بتهريب مركب من الجرافيت يمكن استعماله في إنتاج الأسلحة النووية.
لكن كيف ستجري الأمور إذا ما فشلت الجهود الدبلوماسية في إيقاف محاولات كل من كوريا الشمالية وإيران في تطوير أسلحة نووية؟ بالطبع لن يكون هذا الفشل مريحا لليابان وكوريا الجنوبية وباقي الدول الآسيوية المجاورة لكوريا الشمالية، كما لن يكون ذلك مريحا أيضا لإسرائيل وبعض الدول الإسلامية الأخرى التي لها علاقات متوترة مع إيران. أما إذا فكرت إحدى الدولتين في استعمال السلاح النووي ضد الولايات المتحدة، إما مباشرة أو عن طريق أحد وكلائهما، فلابد أن تكونا واعيتين تمام الوعي بأن الرد سيكون قاسيا جدا وقد يوصلهما إلى حد الانقراض التام من على وجه البسيطة. وبالرغم من أن الخبراء يشيرون إلى أن المعلومات الاستخباراتية يمكنها إجمالا رصد حركة الصواريخ، إلا أنه من الصعب كشف حركة المواد الانشطارية والنوو