تعاني بعض دول مجلس التعاون من نقص الحرفيين والمتخصصين في المجالات المهنية، تماماً كما تعاني البطالة وتسكع المواطنين في مقاهي الإنترنت والشيشة حيث يُواجَهون بعدم وجود وظائف.
ولقد أعلنت هذه الدول عن "خطط" طموحة لتوطين الوظائف، وعمل بعضها على إصدار تشريعات لإفساح المجال للمواطنين للدخول في السوق الخاص، ودارت معارك طاحنة بين أصحاب المؤسسات الخاصة والمواطنين، تبادل فيها الطرفان الاتهامات بشأن تقصير أو عدم إيفاء كل جانب بالتزاماته.
ولقد نشرت "الاتحاد" هذا الموضوع عن نشرة "أخبار الساعة" التي تصدر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، تحت عنوان "التوطين واللعب بالأرقام"! وخلص الموضوع إلى أهمية "وضع مقترحات وحلول تفرق بين من يسهم ومن لا يسهم في التوطين، وفقاً لمبدأ الربح والخسارة الذي يجيد القطاع الخاص التعامل معه".
المسألة تحتمل أكثر من وجه، فهنالك دول في مجلس التعاون تعاني عدم وجود فرص عمل لأبنائها في القطاع الحكومي. ودول أخرى تتواجه مع القطاع الخاص حيث إن المواطن يكلف كثيراً ولا ينتج قليلاً! ودول أخرى لا زالت تؤسس بناها التحتية، ولا زالت توظف عمالة (بمعناها الأوسع) من دون المواطنين. ودول أخرى "تُقاعد" المواطنين وتوظف الوافدين، ودول أخرى لا تعمل لا هذا ولا ذاك، وتعلن عن سياسات للتوطين وإحلال المواطنين محل الوافدين الذين "غيروا التركيبة السكانية وأصبحوا عبئاً" صحياً وتعليمياً ومالياً وأمنياً على الدولة.
في واقع الحال إن رؤية بعض الحكومات إلى هذه المسألة تنطلق أحياناً من المزاج الإداري البحت، وليس من استراتيجية محددة الملامح تأخذ المسألة إلى أبعادها الحقيقية.
فبعض دول المجلس تعاني اضطراباً اجتماعياً، جعل قطار التعيين يتجاوز القرى الطائفية أو الجماعات الأثنية التي يُنظر إليها على أنها تُشكل "صداعاً" للنظام. وبات توظيف أبناء هذه الجماعات أمراً محظوراً أو غير مشجع! ودول أخرى أرسلت بالمئات من أبنائها إلى الجامعات الأوروبية والأميركية، وسلحتهم بالرؤى المستنيرة وآليات الإدارة السليمة، ولما عادوا اصطدموا مع النظام المتخلف السائد في الدوائر الحكومية، وبأنصاف المتعلمين الذين كانت الأسرة، أو الصدفة البيولوجية أهم مؤهلاتهم، فما كان من الأنظمة، إلا "تحييد" هذه الفئة وإحالتها إلى التقاعد المبكر. في ذات الوقت لا زالت هذه الدول "تستورد" كفاءات أقل تأهيلاً من كفاءات مواطنيها وتضعها في مواقع مهمة ومتخصصة.
القطاع الخاص له قصص كثيرة مع "السعودة" أو "التعمين" أو "البحرنة" أو "التقطير"!
لي صديق في بلد خليجي يقول: المواطن لا يعمل، كما أنه كثير الهروب من العمل، ويحاول أن يكون "رئيساً" على نظرائه من الوافدين!
دولة الرفاه في المجتمعات الخليجية لم تخطط للتوسع الكبير في أسواق العمل واحتياجاتها من الحرفيين والعمال المهرة، حرصت هذه الدولة - في معظم دول المجلس- على توفير الأمن والرعاية الصحية والمواصلات والماء والكهرباء، حتى -في حالات محددة- الزوجة بالمجان... وبالتالي لم تحتج إلا لموظفين "يكشخون" بالغتر المُنشاة! يوقعون الدوام صباحاً ويخرجون ثم يأتون إلى سجل الدوام ويسجلون الانصراف!
وصار في العُرف الاجتماعي أن المواطن الخليجي لا يعمل بيده، ولا يتسخ بالزيت أو البترول، بقدر ما يغمس يديه في العطر ويحرص على ألا تكون هنالك "كُسْرة" في ثوبه أو غترته. بل إن بعض طلبة التدريب في شركات النفط "يتحرجون" من لبس (الأوفرل أول) Overall، لأن المجتمع ينظر إليهم كعمال! نعم, نحن لا نخجل من ذكر الحقائق المؤسفة التي صممت عليها دولة الرفاه في المجتمعات الخليجية، في ذات الوقت، اهتمامها بالجوانب الإدارية، وكسب الولاءات من "أهل الثقة"، وبالتالي إهمال دور التدريب في صقل المواهب... فنشأ "الجيل الورقي"، ومن بعده الجيل "الإلكتروني"، لكن العقلية ظلت تحتقر العمل اليدوي، أو حتى الإبداعي الذي يمارس "التفكير النقدي"، والذي يكشف كثيراً من العيوب.
نحن نعتقد أن التوطين يحتاج إلى استراتيجية يؤمن بها صاحب القرار، وتُهيأ لها الظروف، ليستقبلها أفراد المجتمع بعقلانية وتفهّم للجانب الآخر للقضية. كما أن فهم الدولة -أية دولة- لعطاء المواطن يجب أن ينطلق من معطيات تقييمية عبر الاستمارات ومتابعة الإنتاجية، لا عبر "كروت" الواسطة... والموقف الكيميائي من الإنسان. فالدولة التي لا زالت توظف المئات شهرياً، نظراً للتوسع في بناها التحتية، تحتاج إلى موظفين مؤهلين، ما لم تكن تؤهل أبناءها ضمن خطة التنمية التي تعتمدها، كما أن هذا التكاثر الوافد يخلق "قنابل" موقوتة مع مرور الأيام.
وهذه الحقيقة تعانيها بعض دول المجلس، حيث أصبح المواطن ضمن الأقلية قليلة العدد، وسط مجتمع "ميتربوليتاني" يعج بالتوجهات والمعتقدات والانتماءات السياسية.
إن الأرقام المخيفة التي تعلنها دُور الإحصاء عن نسبة المواطنين في دول المجلس مقارنة بالوافدين، تعطينا الدليل على هذا الخلل، الذي حاول مجلس التعاون معالجته