بكل المعايير يعتبر الاستطلاع الذي أجري في دول الإتحاد الأوروبي، والذي أشارت خلاصاته إلى صحوة أوروبية غير مسبوقة إزاء إسرائيل عظيم النتائج. فهو علامة فارقة ومنعطف حقيقي في تاريخ تعاطف الرأي العام العالمي (وخاصة الغربي) مع قضية فلسطين وعدالتها، بعد عقود من السكوت المجامل والمداهن لإسرائيل والمدفوع بعقدة الذنب الأوروبية تجاه اليهود بشكل عام. فأن يقول 50% من الأوروبيين إن أسرائيل تشكل التهديد الأكبر للسلام العالمي، فذلك معناه أن العالم قد ضاق ذرعاً بكل العنصرية الإسرائيلية والبطش والغطرسة التي ما عاد بالامكان هضمها. ويأتي هذا الكلام من قلب أوروبا التي كانت تعتبر الحليف الثاني المقرب لإسرائيل، والذي كانت تنتمي إلى فضائه الحضاري. فإسرائيل كانت تقول إنها دولة أوروبية في الشرق الأوسط، وإنها، بتعال متعجرف، تأنف من الإنتماء إلى الشرق الأوسط وثقافته. الآن تتلقى صفعة كبيرة من قبل الفضاء الحضاري الذي كانت دوماً تردد الإنتساب إليه.
تاريخية الاستطلاع المشار إليه، ومفعوله وانعكاساته الكبيرة يشير عليها السعار الذي دب في الأوساط الإسرائيلية وخاصة اليمينية، معطوفاً عليها ما حدث من هستيريا اللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة. والحقيقة أن لا أحد يمكنه التقليل من وجع الضربة القاصمة التي وجهتها تلك النتائج إلى صورة إسرائيل العالمية والمزيفة: صورة الحمل الوديع المحاط بالذئاب العربية المتأهبة لإفتراسه من كل جانب. وهي مدهشة ومفاجأة حتى لأكثر المراقبين دقة ومراقبة. من يعش في الغرب، وخاصة أوروبا، يلاحظ بوضوح تنامي نزعة التعاطف مع الفلسطينيين خلال السنوات القليلة الماضية، سواء شعبياً أم إعلامياً أم حتى سياسياً ولو كان التعبير السياسي الرسمي عن ذلك التعاطف كان وما زال خجولاً ومتردداً. اسم فلسطين وعلمها والفلسطينيون كشعب وأصحاب قضية وكل ما يرمز لهم صار من عناصر التمرد العالمي ضد طغيان القوى الكبرى، وهي رموز تصعد في سماء كل مظاهرة وكل مساندة لأية قضية عادلة. لكن مع ذلك لم يكن يتوقع أي من المراقبين أن تكون النظرة إزاء إسرائيل قد تغيرت إلى هذا الحد المفاجىء - وهي نظرة كان قد اشتغل على صوغها إعلام متحيز على مدار عقود طويلة ماضية. شعبياً وأخلاقياً وإعلامياً تنتصر قضية فلسطين في الشارع الأوروبي بسبب عدالتها وقوة حقها، وما عاد بالإمكان الإستمرار في تشويه جوهرها من قبل خصومها.
فما يحدث الآن أن الأجيال الشابة الجديدة، في أوروبا خصوصاً والعالم على وجه العموم، هي أقل إستسلاماً لما يردده الإعلام عن طهرانية وبراءة إسرائيل. وما يحدث الآن أن الفضاء الإعلامي العالمي، والغربي في مقدمته، لم يعد محتكراً على وسائل معدودة ومسيطر عليها من قبل حفنة من أنصار الصهيونية بعماء مطبق. وقبل ذلك وأهم منه، فإن ما حدث وما يحدث الآن أن الانتفاضة الفلسطينية ومقاومتها قد هزت كثيرا من الضمائر النائمة، ودفعت بها إلى الصراخ ضيقاً وحنقاً على صمت القبور الذي لحق قارة الإستنارة والتنوير عقوداً طويلة.
بالنسبة لإسرائيل الهائجة بسبب نتائج الإستطلاع، فإنها تريد أن تقرأه بطريقة متعسفة تتملص بها من رسالته القوية. هذه القراءة تقول إن اللاسامية متعمقة في الشارع الأوروبي، وأن الرأي العام الأوروبي يحاول إخفاء تلك اللاسامية والعنصرية ضد اليهود عن طريق تشديد النقد السياسي لإسرائيل. يحاول الإسرائيليون عبر هذه القراءة أن يتغافلوا عن وحشية سياساتهم وإحتلالهم الذي هو سبب العداء المتصاعد لهم في كل رقاع الأرض. فالأجيال الأوروبية الجديدة، في متوسطها العام، ليست معنية بمعاداة اليهودية كدين، ولا الإسلام كدين، أو غيرهما من الأديان. فهي أجيال غير متدينة، وغير آبهة بالعودة إلى التاريخ وقراءة ما يقوله هذا الدين أو ذاك حتى تأخذ منه أو من أتباعه موقفاً عدائياً، (لا سامياً في حالة اليهودية)، وهي إجمالاً تنظر لكل الأديان نظرة ازدرائية عامة لا تحابي ديناً، ولا تنتصر لدين على حساب آخر. ما تحتكم إليه في نظرتها وتقييمها للأمور هو ما تراه من عدل وظلم، وما يمليه عليها الضمير الإنساني العادي المنفلت من سطوة التشويه السياسي. لذلك فهروب إسرائيل إلى الشماعة التقليدية السمجة، العداء للسامية، هو هروب المذعور الذي تفاجأ بما لم يكن يتوقعه، وما زال يتخبط من وقع المفاجأة التي ستترك أثراً عميقاً في الوعي السياسي الإسرائيلي العام بلا أدنى شك.
كثيرون كتبوا عن غطرسة إسرائيل المضاف إليها الإرهاب الفكري والسياسي الذي تمارسه ويمارسه أنصارها المتعصبون في أميركا وأوروبا بقذف كل ناقد لسياسة إسرائيل بتهمة اللاسامية. وكتبوا أن تلك الغطرسة والإرهاب هما اللذان سيولدان نزعات عداء متجددة ضد إسرائيل، بل سيعيدان بث الروح في اللاسامية الأوروبية، خاصة في أوساط بعض اليمين المتطرف في أوروبا وغيرها. لكن إسرائيل لم تلق بالاً، وتاجرت بقضية اللاسامية وقضية الهولوكوست وتم ترقيتهما إلى درجة مقدسة لا يمكن الاقتراب منهما، في مجتمعات و بيئات رفضت كل مق