في عصر العلاقات الحميمة بين الاتحاد السوفييتي والعرب، كانت زيارة إحدى جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية حيث الحزام الإسلامي يشكل أكثر من سبعين في المئة من عدد السكان، دائماً وأبداً على رأس برنامج أي وفد عربي صديق زائر للاتحاد السوفييتي, ولابد أن تشمل الزيارة لقاءً مع أحد القادة "الرفاق" أمثال سلطانوف وإسماعيلوف وعليوف وكريموف. كانت الجمهوريات الآسيوية المسلمة تاريخياً هي الواجهة المضيئة التي يحرص السوفييت على عرضها والحديث عن التقدم الهائل الذي جرى ويجري فيها في ظل النظام الاشتراكي ومقارنته بعصور الظلم والعسف والاضطهاد الذي وقع على السكان المسلمين من قبل الأباطرة والقياصرة الروس الإمبرياليين، والذي وضعت الثورة البلشفية ومبدأ لينين القائل بـ"حق تقرير المصير" لسكان المستعمرات الروسية - وحقهم في الانفصال أيضاً وإقامة دولهم المستقلة- نهاية له. وكانت زيارة طشقند وجامعها العتيق وأداء الصلاة فيه مع المسلمين هي إحدى "شعائر" البرنامج السوفييتي للزوار القادمين من البلاد العربية والإسلامية.
وجاء انهيار الاتحاد السوفييتي المدوي والهائل، وما صحبه من انهيارات وأحداث جسام، ولم يكن وقعها قاصراً على الجمهوريات الإسلامية وحدها. فقد كشف انهيار النظام السوفييتي مدى التخلف والبؤس والفقر الذي عانى ويعاني منه قرابة سبعين مليوناً من "المواطنين السوفييت" في ظل النظام الاشتراكي الذي جاء أساساً ليحقق التقدم والمساواة والعدل لجميع مواطنيه، والذي كانت طموحات مؤسسيه العظمى أن يحققوا على الأرض النموذج الأمثل الذي حلمت به البشرية: دولة المساواة والعدل والكرامة الإنسانية!
في الأسبوع الماضي وفي قرية صغيرة في جمهورية أوزبكستان قلّ أن يأتي ذكرها في الأنباء، وقعت مأساة دامية أجمعت معظم الصحف ووكالات الأنباء على وصفها بالمذبحة. واختلفت تقديرات ضحاياها حسب اختلاف المصادر، لكن الأمر الذي أكدته - عدا حكومة الرفيق إسلام كريموف- أن عدد ضحاياها من الأطفال والنساء والشيوخ المدنيين قد بلغ المئات. وقعت "مجزرة أنديجان" الأوزبكية تحت سمع وبصر العالم المتحضر ولثلاثة أيام بلياليها ظل رد الفعل الأميركي والروسي خافتاً ومتواضعاً، بل حتى مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان صاحبة المبادرات السريعة في مثل هذه الحالات لم يسمع لها صوت إلا بعد مرور أكثر من أربعة أيام على وقوع المجزرة.... فلماذا؟!
لأن الرئيس إسلام كريموف الذي يحكم أوزبكستان بالقبضة الحديدية، قد أصبح الحليف القوي للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب الإسلامي، وفتح أرضه وسماوات بلاده لعدو الأمس الإمبريالي ليقيم فيها قاعدة عسكرية أميركية. وعندما يكون انتهاك حقوق الإنسان والتصفية الأثنية وذبح الخصوم السياسيين في وضح النهار، من فعل حليف صديق وقوي للأميركيين، فإن كل الخطب والأحاديث الرنانة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان تتراجع إلى الخلف، ويصبح التبرير المقبول الذي يحتمي به قتلة الأطفال والنساء والشيوخ هو محاربة الإرهاب والتطرف الإسلامي. وتحت هذا الشعار الخادع والخداع تجري المذابح، مثل مذبحة أنديجان الأوزبكية!
ثمة خيط يربط بين ضحايا "المذابح القانونية" من العراق إلى أفغانستان إلى أوزبكستان إلى السودان، وهذا الخيط هو أن هؤلاء الضحايا هم في نهاية الأمر أطفال ونساء وشيوخ عزل وفقراء وبسطاء ولا حول لهم ولا طول ولا علاقة ولا صلة تربطهم بما تسميه أميركا الإرهاب الإسلامي المنظم. وما يوحد ويربط بينهم ويمنحهم سماتهم المشتركة هو أنهم ضعفاء الأرض الذين يتساقطون كل يوم برصاص الجبابرة الأقوياء، كان اسمهم تنظيم القاعدة أو قوات البحرية الأميركية أو نظام إسلام كريموف لا فرق.