بعد ستة أسابيع قضيتها في العمل كمراسل خارجي وطفت فيها بأرجاء أميركا، لم يكن السؤال الذي عدت به هو: ما الذي حدث لكانساس؟؛ وإنما ما الذي حدث للمشاريع الكبيرة؟
أولا, لابد لي أن أقول إن أميركا، إذا ما أرادت المحافظة على مزاياها التنافسية فإنه يتعين عليها مواجهة طائفة ضخمة من التحديات. فنحن كدولة نواجه عجزا تعليميا متصاعدا، وعجزاً في الطاقة، وعجزاً في الميزانية، وعجزاً صحيا، وعجزا في الطموح. والمشكلة هي أن الإدارة الأميركية تنكر ذلك، وأن الكونجرس مشغول بأمور بعيدة كل البعد عنه.
بيد أنني عندما التفت حولي بحثا عن المجموعة التي تمتلك السلطة والاهتمام، والتي يعنيها أن تحافظ أميركا على تركيزها على العالم، وعلى قدراتها التنافسية فيه - وهم قادة التجارة والأعمال في أميركا- فإنني لا أجد أحدا منهم, بل ويخيل إليّ أنهم قد فقدوا في المعركة. ويهمني هنا أن أوضح أنني لست قلقا بشأن تزايد مد المحافظين الثقافي، وإنما بشأن اختفاء تلك الصفوة التجارية المحبة لأميركا والمؤمنة بالتجارة مع دول العالم والتعامل معها؟.
هل هناك شركة في أميركا يجب أن تكون أكثر مشاركة في الضغط من أجل الحصول على نوع من التغطية القومية في مجال الخدمات الصحية، من "جنرال موتورز" التي تختنق بفاتورة الرعاية الصحية لموظفيها؟. وهل هناك أي مجموعة من الشركات كان يجب أن ترابط أمام البيت الأبيض من باب الاحتجاج غير مؤسسات التقنية الفائقة الخاصة بنا، وخصوصا بعد أن قام فريق بوش بتقليص حجم ميزانية المؤسسة الوطنية للعلوم بمقدار 100 مليون دولار في عام 2000, واقترح في عام 2006 تقليص حجم البرنامج العلمي الخاص بوزارة الطاقة، وكذلك تقليص الأبحاث التأسيسية والتطبيقية في وزارة الدفاع، وهما المصدران الأساسيان للإبداع.
هل هناك أي جهة يجب أن تطالب بصوت عال بسياسة طاقة عاقلة غير قطاع الصناعة الأميركي؟ وهل هناك أحد يجب أن يكون أكثر قلقا بشأن العجز الذي ينمُّ عن الإسراف المالي والذي سنتركه لأطفالنا بعدنا؟
مع ذلك، يمكنني القول، إنه ومع استثناءات قليلة تدعو للإعجاب، فإن قطاع التجارة والأعمال الأميركي لم يتصد لتلك الموضوعات. ويرجع هذا في جزء منه إلى حقيقة أن مجالس الإدارات في معظمها من الأشخاص من ذوي الثقافة الجمهورية (نسبة إلى الحزب الجمهوري) الذين يحسون بعدم الراحة، وبعض الخوف عند معارضتهم للإدارة. ويرجع هذا جزئيا إلى التأثير الذي ساد في مرحلة ما بعد سقوط شركة (إنرون) والتي كان الجميع يفضلون أثناءها خفض رؤوسهم تجنبا للمشكلات، كما يرجع في جزئه الآخر إلى أنه في عالم اليوم، الذي أصبح أكثر تسطيحا من ذي قبل، فإن العديد من الشركات الأميركية الرئيسية، أصبحت تحقق الجزء الأكبر من أرباحها من خلال العمل بالخارج، وبالتالي أصبحت أكثر قدرة على توظيف أفضل المواهب والكفاءات في العالم، والاستغناء عن الأميركيين تماما.
ولذلك فإنه عندما تكون رأس التجارة والأعمال طائرة في السحاب أي في الخارج، وتكون رأس نقابات العمال مدفونة في الرمال، وتكون الإدارة في حالة تركيز على الإرهاب، والكونجرس مكتفياً بتقديم خدماته لأناس يعتقدون أن "التصميمات الذكية" هي شيء يأتي من الغيب وليس من شركة "إنتل"؛ فإننا يجب ألا نعجب عندما نجد أنه "لم تعد لدينا استراتيجية لجعل أميركا دولة قادرة على المنافسة في القرن الحادي والعشرين – وهو قرن سيشهد دخول "3 مليارات رأسمالي جديد إلى السوق" وهو بالمناسبة عنوان كتاب جديد وممتع كتبه "كلايد بريستوفايتز" عن صعود الصين والهند.
وإذا لم نقم بتوحيد جهودنا معا، فإن ذلك لن يؤثر على اقتصادنا فحسب، ولكنه سيؤثر على قوتنا أيضا. لقد انتهت أميركا في الآونة الأخيرة من تحقيق أكبر عملية تحول شامل لمؤسسة الأمن القومي فيها منذ عام 1947. وحول هذه الجزئية يقول "ديفيد روثكوبف" الباحث بـ"مؤسسة كارنيجي الوقفية" والذي نشر مؤخرا كتاباً جديداً تحت عنوان "إدارة العالم" يقول فيه ما يلي:"من سوء الحظ أن عملية إعادة الهيكلة برمتها، قد وجهت نحو مواجهة تهديد واحد وهو الإرهاب". ويضيف روثكوبف:"ويختلف هذا اختلافا جذريا عما تم عمله في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث قمنا بالإضافة إلى إنشاء مجلس الأمن القومي، ووزارة الدفاع، والقوات الجوية، والاستخبارات المركزية الأميركية، بإنشاء الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ونفذنا خطة مارشال وأعدنا بناء اليابان وأدركنا أن النمو الداخلي كان هو النبع الذي لا ينضب لأمننا القومي".
وهذه القوة الداخلية هي التي جعلتنا مرهوبين وجذابين في نفس الوقت. ولنا أن نتذكر هنا أن أميركا قد كسبت الحرب الباردة ليس عن طريق الاحتواء فقط، ولكن عن طريق ما هو أهم من ذلك ألا وهو قوة الجاذبية التي كان يتمتع بها المجتمع الذي نقوم ببنائه.
ويختتم روثكوبف تعليقه الرائع بقوله "إن النيل من تلك الجاذبية هو من خلال الاستهتار، وانعدام المسؤولية المالية، وعدم الاهتمام بآليات التنافسية التي ستعتمد عليها وظائ