لكل قارئ مطلق الحرية في قراءة عنوان هذه المقالة بالطريقة التي يريدها فيمكن قراءته بالإنجليزية "توطين show " أي استعراض التوطين ويمكن قراءته بالعامية الإماراتية "توطين شو؟" أي توطين ماذا؟
فالكلام عن التوطين أصبح استعراضا نقوم به في السنة مرة أو مرتين ثم ننام عنه. فكل مؤسسة حكومية أو خاصة تستعرض جهودها في التوطين والعمل له... وجهات أخرى تعين عشرة مواطنين "صوريا" فتقيم الدنيا ولا تقعدها ولو كان بيدها لأنتجت فيديو كليب على ما فعلته. عن أي توطين نتكلم, ونريد توطين ماذا بالضبط؟! وهل نريد أن نوطن كل الوظائف مرة واحدة؟!
عندما نتكلم عن التوطين يجب أن نكون محددين وواضحين فنقول التوطين في قطاع التعليم أو الصحة أو المصارف أو غيرها ونبدأ في وضع الخطط والتصورات والجدول الزمني لهذه العملية. يجب أن نحدد, نسعى لتوطين ماذا؟, وليس التوطين في كل مكان وفي كل المهن في نفس الوقت, ثم نكتشف أنه بعد ثلاثة عقود من الحديث والنقاش حول هذا الموضوع لم يحدث أي شيء بل تعقدت المشكلة أكثر. الحكومة تتكلم عن التوطين ولم تضع أو تعرض أية خطة واحدة عشرية أو حتى خمسية أو حتى سنوية لتطبيق فكرة التوطين.
المسؤولون كذلك يتكلمون عن التوطين وأهميته دون أن يقدم أحدهم –إلا القليل منهم- خطة واضحة ولو كانت بسيطة عن كيفية تطبيق التوطين في مكان عمله.
هذا هو موسم الحديث عن التوطين وأهميته. تصريحات صحفية تطلق هنا وهناك وندوات تعقد ومقالات تكتب وجهات حكومية أو من القطاع الخاص تحاول أن تكشف ما لديها من معلومات وما قامت به من إنجازات... ثم يتوقف الحديث لنأتي في العام المقبل لنتكلم عن نفس الموضوع ولا نصل إلى أي حل!
حسب تقديرات هيئة "تنمية" فإن هناك نحو 26 ألف شاب وشابة تحت سن الثلاثين يبحثون عن وظيفة في بلد لا يزيد عدد المواطنين الأصليين فيه عن 700 ألف نسمة تقريبا، في مقابل نحو ثلاثة ملايين نسمة تقريبا من الأجانب بالإضافة إلى انضمام نحو عشرة آلاف خريج إلى لائحتها سنوياً. وبالتأكيد أن هذه الأرقام لا تشمل أولئك الذين لا يتقدمون إلى "تنمية". ومن المؤسف مع وجود هذه الأرقام أن نسمع بعض المسؤولين بين فترة وأخرى يرددون أنه ليست هناك مشكلة بطالة في الإمارات والأرقام الحقيقية تقول إن هناك آلاف الشباب ممن يبحثون عن الوظائف كل يوم.. فماذا نسمي هؤلاء الجالسين بالسنة والسنتين والثلاث ولا يجدون فرصة عمل مناسبة.
لا أدعي أنه ليس هناك شباب لا يصلحون للعمل الذي يختارونه لأنفسهم وأن قدراتهم ومؤهلاتهم وتركيبتهم محدودة جدا, وهم مثال سلبي للشباب الإماراتي. ولكنني في نفس الوقت لا أريد أن يستغل البعض هؤلاء ويتاجروا بهم ويعرضوهم وكأنهم النموذج الأوحد للشباب الإماراتي. فشبابنا قادرون على أن يفعلوا الكثير, وعندما أوكلوا بالمسؤوليات نجحوا فيها ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك. كما لا أنكر أن هناك فئة من الشباب تدلل نفسها وتحاول أن تفرض شروطها للعمل وتضع شكلا خاصا للعمل الذي تريد أن تقوم به, وهي تجلس في البيت تنتظر العمل, وهذه فئة بسيطة جدا لا تكاد تذكر وهي في طريقها إلى الانقراض.
الأرقام تقول ما لا يمكن تكذيبه, والكرة في ملعبنا, فيجب أن نكون صادقين مع أنفسنا ونتحرك في الطريق الصحيح وأن نكون واثقين من أننا لا نريد أن تكون لدينا أية نسبة بطالة.
كشفت الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية أن عدد المواطنين العاملين بالقطاع الخاص يصل إلى 6 آلاف مواطن، فيما أفادت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أن إجمالي العاملين في القطاع الخاص وصل إلى 2.5 مليون عامل وفقا لآخر الإحصاءات الصادرة عن الوزارة حتى نهاية الشهر الماضي. أي أن نسبة المواطنين 0.24%. أما عدد الباحثين عن عمل الذين سجلوا لدى هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية "تنمية" خلال شهر إبريل الماضي فقط فبلغ 578 مواطنا ومواطنة في مختلف المناطق. وتمكنت الهيئة خلال الفترة ذاتها من توظيف 90 باحثا عن العمل من المسجلين في قاعدة بياناتها. وحسب أرقام "تنمية" فإن نسبة المواطنين في قطاع الفنادق لا يتجاوز 1%. وحسب أرقام "تنمية" أيضا فإن نسبة التوطين في قطاع التأمين لم ترتفع خلال السنوات الخمس الماضية سوى 0.3%.
السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا من جديد هو: ما هو تعريف كلمة "توطين" وماذا نقصد بهذه الكلمة؟! في دول أخرى عندما يتكلمون عن التوطين أو غيرها من المسميات, من الواضح أنهم يعرفون عن ماذا يتكلمون وإلى أين يريدون أن يصلوا. فهم يريدون أن يجعلوا كل من يعمل في الوظائف عندهم من مواطني بلدهم لأن هناك أعدادا من المواطنين لا يجدون أعمالا, وفي المقابل هناك عدد كبير من غير مواطني تلك الدول يعملون. وبالتالي فإن ما تقوم به تلك الدول هو إحلال عنصر وطني محل عنصر قادم من الخارج ويتم ذلك بشكل محدد وسلس.
هل نحن نريد أن نقوم بعملية التوطين التي نتكلم عنها؟! وإذا ما ادعينا أننا نريد أن نقوم بها, فهل نستطيع؟! دون الدخول في نيات الآخرين ولا الحكومة ولا المسؤولين سن