جيد أن انتقد توماس فريدمان سلوك إدارة بوش إزاء حملة الاحتجاجات الواسعة التي عمت أفغانستان وباكستان وعدداً من الدول الإسلامية الأخرى مؤخراً, بسبب ما نشرته مجلة "نيوزويك" حول تدنيس جنود أميركيين لقدسية المصحف الشريف في سجن جوانتانامو. وفي مقاله الذي حمل عنوان "لتكن الحقيقة أداتنا لكسب العقول والقلوب" المنشور في "وجهات نظر" يوم السبت الماضي، لخص الكاتب ما كان يجب على إدارة بوش أن تخاطب به العرب والمسلمين بشأن تلك المزاعم الصحفية التي أثيرت حول سلوك الجنود الأميركيين المعنيين, بدلاً من أن توجه الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض بسلخ وجلد الصحيفة. وصب المضمون الرئيسي للمقال في تبني الدعوة إلى أن تتجاوز أميركا نظرتها الداخلية إلى نفسها, وانغماسها في إدارة الحوار مع الذات, إلى حوار الآخرين واتخاذ الصدق والحقيقة, وسيلة لمكاشفة العرب والمسلمين خاصة, بما تراه وتتكشف أمامها من حقائق. وعلى الرغم من إيجابية الاتجاه عموماً, إلا أنه يكشف عن تناقض داخلي, في منطق الدعوة نفسها. فدعوة توماس فريدمان إلى تبني الحقيقة والمصارحة, طريقاًَ للتعامل مع العرب والمسلمين في معركة كسب العقول والقلوب, تفترض أن هذه المعركة قد كسبتها أميركا في الداخل وتوحدت حولها, وأن الذي ينقصها هو توجيهها إلى العالم الخارجي, والتبشير بها بين الشعوب والأمم الأخرى. وهذا ما ينفيه مقال الكاتب نفسه, إذ شتان ما بين رؤيته هو لردة الفعل الرسمية الأميركية إزاء حملة الاحتجاجات الأخيرة, ورؤية البيت الأبيض لها, علماً بأنها ردة الفعل التي دبج الكاتب مقاله في انتقادها! وكما نعلم فإن هناك جملة من القضايا –تمتد من غزو العراق, مروراً بسجني "جوانتانامو" و"أبوغريب", وما بينهما من تضييق على الحريات المدنية داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها, وموقف البيت الأبيض من مجمل المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تصب في الحفاظ على أمن وسلامة البيئة والمناخ والجنس البشري بأكمله- لم تفز فيها الولايات المتحدة بمعركة كسب العقول والقلوب, حتى على المستوى الداخلي. والسؤال الطبيعي الواجب إثارته هو: كيف لمن لم يكسب معركته داخلياً, أن يسعى لكسبها خارج الحدود لتواجه أميركا نفسها بالحقائق, قبل أن تواجه بها الآخرين؟!.
أحمد البكري- سوداني مقيم بجدة- السعودية