تشير المعلومات التي تسربها الأوساط البعثية المسؤولة عن الإعداد للمؤتمر القطري الخامس لحزب البعث إلى رغبة القيادة القطرية في أن تبقي على المادة الثامنة من الدستور التي تؤكد على دور حزب البعث الحاكم كقائد للدولة والمجتمع. وتعتقد القيادة القطرية كما يبدو أن الاحتفاظ بهذه المادة يشكل ضمانة لعدم خروج الأمور عن السيطرة أو لمنع تعريض النظام القائم للخطر.
والسؤال المطروح بالضبط اليوم هو التالي: هل ينعقد مؤتمر حزب البعث - الحاكم في سوريا منذ 43 عاما من دون انقطاع - تحت شعار تعزيز وسائل الحفاظ على النظام أم تحت شعار تغيير النظام وتعديله بما يسمح بامتصاص التوترات العميقة التي تهدده بالتفكك والانهيار ويخلق للسوريين الشروط السياسية والاجتماعية التي تمكنهم من الرد على التحديات الخارجية الخطيرة والمعلنة القريبة؟
فإذا كان الهدف الأول هو جوهر ما سيناقشه المؤتمر يصبح من الخطأ بالفعل التخلي عن هذه المادة التي تحصر القيادة السياسية، من دون تحديد في الزمان والمجال، بحزب البعث وتجعل منه الوصي الرسمي على شؤون المجتمع والدولة السوريين. وفي هذه الحالة سيكون من الضروري والمكمل أيضا لهذه المادة الإبقاء على قوانين الطوارئ والأحكام العرفية وسلطة أجهزة الأمن المطلقة وغير الخاضعة لقانون، أي كل ما اعتمد عليه النظام حتى الآن للاستمرار وما كان بإمكانه البقاء حتى اليوم من دونه.
لكن ربما كان من المفيد في هذه المناسبة إن لم نقل من الواجب الوطني والإنساني، تذكير أعضاء القيادة القطرية بما يمكن أن ينجم عن اتخاذ مثل هذا القرار من مخاطر كبيرة ربما لا تقل عن تلك التي نجمت عن قرار التمديد غير الصائب لرئيس الجمهورية اللبنانية.
فأولا, لا يحصل تمديد العمل بقاعدة النص بالدستور على قيادة البعث للدولة والمجتمع وما تعنيه من تجديد الحكم بإلغاء الحياة السياسية السورية في مناخ التعبئة القديمة ضد الرجعية والإمبريالية والصهيونية ولكن بالعكس. إنه يحصل في ظرف تراكمت فيه الهزائم والإخفاقات الخارجية والداخلية وفقدت فيه المنظومة البعثية الحاكمة كل ما كانت تملكه من صدقية حتى تطابق اسمها مع الفشل والإفلاس على جميع الأصعدة الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية والثقافية والإعلامية وصارت رديفا، في ذاكرة سكان البلاد والرأي العام العربي عموما، لإنتاج الفقر والبطالة والأمية والتقهقر العلمي والتقني وتفجير النزاعات السياسية والطائفية والاجتماعية والقطيعة والعزلة عن البيئة العربية وتصاعد حجم الضغوط والتدخلات الأجنبية واستعداء القوى الدولية المجاني.
وثانيا، مع تراجع أفكار الثورة ومشروعيتها التاريخية، لم يعد ما حصل في سوريا في 8 آذار 1963 يظهر كحركة طبيعية في إطار الصراع والتنافس بين القوى السياسية القومية وغير القومية, ولكن كمصادرة رسمية وعلنية لإرادة الشعب السوري وسيادته, وأن أي حياة سياسية لم تستقم ولن تستقيم قبل إعادة السيادة داخل سوريا للشعب الذي انتزعت منه بالقوة العسكرية. وكل ما قيل حول الثورة والاشتراكية وتوزيع الثروة في سياق السعي لإضفاء شرعية تاريخية على هذه المصادرة للإرادة والسيادة الشعبية يكذبه واقع حال أولئك الذين باسم الثورة والوطنية والقومية غيروا أوضاعهم الاجتماعية من النقيض إلى النقيض فأبعدوا الطبقة المالكة القديمة عن مواقعها وصاروا هم الطبقة المالكة الحقيقية.
وثالثا, أظهرت التجربة التاريخية الطويلة للسوريين أن إخضاع المجتمع بأكمله لنظام يدمج بين جميع السلطات ويقدمها خالية من أي قيد لفئة أو لحزب واحد يحكمها ويتحكم بها وبمواردها كيف ما يشاء لم يحقق مبادئ الثورة البعثية في الوحدة والحرية والاشتراكية ولكنه قاد ببساطة إلى تحويل البلاد إلى مزرعة عبودية بمثل ما عزز لدى الحاكمين الشعور المقابل بالألوهية التي ولدت ولا تزال تولد إلى اليوم سلطة مطلقة تعسفية وقمعية كانت الباب المفتوح على مصراعيه لتعميم الفساد والرشوة الرسمية المنظمة وتدمير الشعور بالمسؤولية وتخريب مؤسسات الدولة والمجتمع المدني معا. وكان كل ذلك من الأسباب الرئيسية للتدهور المقارن والمطلق الذي عرفته البلاد على جميع المستويات التعليمية والإدارية والاقتصادية والتقنية والوطنية.
ورابعا, مع تآكل شرعية النظام الثورية وهلاك الفكرة الثورية نفسها التي سند عليها البعث حركته الانقلابية لم يعد النص في الدستور على أن حزبا من الأحزاب هو قائد للمجتمع والدولة يعني مجرد تمكين السلطة الجديدة من السيطرة على الموقف ودحر القوى المنافسة لها في المعركة السياسية, وإنما تحول إلى إلغاء شرعي للدستور نفسه ومن وراء ذلك إلى وضع الأساس غير القانوني وغير الشرعي لتكوين طبقة حاكمة طفيلية، جاهلة تأهيلا ومنحطة أخلاقا وجانحة سياسيا واجتماعيا معا، ومدفوعة بالضرورة إلى الوقوف ضد المجتمع والعداء له. فالنص على هذه المادة يشكل انتهاكا لروح الدستور الجمهوري لأنه يشرع بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث, للتمييز الرسمي السياسي والاجتماعي