قبل اختفاء آخر شعاع للشمس جلست تحت ظل شجيرة برتقال براعمها تبعث في الجو عبيرا يؤكد أن الربيع الطلق يختال ضاحكا, وأن ساعات النيروز تفتح أكمام الورد النائمة.
غرست يدها في طين الأرض, أحست بألم في طرف إصبعها السبابة, تساقطت قطرات الدم واختلطت بالطين. عجنت طين الأرض بالدم ورسمت علامة الصليب على صدرها وأقسمت بالمسيح أن تحب العراق وتدافع عنه.
أمسك بإصبعها والدم النازف يتساقط, أخذ شوكة برتقال جافة, شك إصبعه وأسقط قطرات فوق الطين. اختلط الدم بالطين, وضع إصبعه فوق إصبعها ورسم علامة الهلال وأقسم معها على أن يموتا من أجل العراق. تعانق الصليب مع الهلال في أرض الهلال الخصيب.
صباح بغدادي بارد, صحون القيمر والدبس, والراشي والصمون ودندنة أكواب الشاي, تحلقنا حول الطاولة المعتادة وجرى الحديث سهلا سلسا. كانت خيرية الصابئية أكثرنا ألقا ومرحا, أحرجها طارق وأخرجها من عباءة الهدوء عندما ردد بإيمان البعثي المندفع (بعث تشيده الجماجم والدم... تتهدم الدنيا ولا يتهدم).
قالها, بصوت أجش مرددا صراخ دلال الشمالي وهي تغني لحزب البعث, وليس لفكر البعث.
ارتفعت درجة حرارة الحديث وكادت الأمور تصل إلى حد التلاسن. هنا، قفز عرفان الكردي إلى دكان الكاكا مصطفى وأحضر سبعة أكواب من لبن أربيل. دلقت خيرية كوبين علها تطفئ النار التي أشعلها طارق, وضحكنا بينما كان زهير المسيحي يستعد للهرب من الباب الخلفي السري لأكاديمية الفنون الجملية في الوزيرية لحضور الصلاة في الكنيسة. ونسأل هل يمكن لعراق مثل هذا أن يقتتل؟.
أصر صديقنا حسين على الذهاب إلى كربلاء, حدثنا كثيرا عن عاشوراء الملحمة والميلودراما. انحشرنا في السيارة "التويوتا" شيعة وسنة ومسيحيين, وصديقتنا الصابئية.
افترشنا الأرض ونمنا على أرصفة المدينة, كما هي عادة مئات الآلاف من البشر القادمين وشهدنا مواكب العزاء. بعد ثلاثة أيام عدنا وتواعدنا نحن الشباب على لقاء في شارع "أبو نواس" لالتهام وجبة من السمك المسقوف. عراق مثل هذا يقتل ويقتتل؟ حرامات والله حرامات!
في صخب العمر ونزهة العقل والوجدان, كان العراق يرتسم وجدا في الخاطر. ولكن عشاق الدمار ومحترفي السياسة وحفاري القبور الجماعية لا يحلو لهم أن يغني العراق أنشودة الفرح الوجداني والكوني. فعندما تصرخ ستارة المسرح وتستصرخ الضمير يكون كل عراقي في المنفى الجغرافي وفي المنافي الوجدانية يبصم بالحب على جسر المسيب. العراقيون الشرفاء لن ترهبهم سيارات حقودة مفخخة بالموت تجرجر أذيال الخزي والجريمة الدامغة, وهي تقتل طفلة تبتسم للشمس وتغازل القمر الذي يرسل خيوطا من فضة على صفحة موجة في نهر دجلة, حيث يستصرخ صوت الشاعر ضمير الكون مناديا (يا دجلة الخير يا أم البساتين).
هذا اللهو العبثي بالموت, وهذا الفكر الملطخ بالدم ورائحة القبور يصرخ في جيكور مناديا حفار القبور مؤكدا أن العراق الوطن سيمر به ألف عام وسيعشب فيه الثرى وتتوزع زغرودة الصبايا يوم العرس, ولن تبكي فيه المحبوبة صارخة "لا خبر لا جفيه لا حامض حلو لا شربت", وستوقد ألف شمعة في مليون صينية فرح, وستتقاطر من رحم الأرض الحلوات محنيات الأصابع, ينحني لهن الوطن إجلالا وهيبة لأنهن أنجبن جباهاً سمراً ترسم العراق الجديد.
عراق بكل هذا الحب هل يمكن أن يموت بسيارة مفخخة بالحقد مزروعة بالانتقام؟ أرادوها فتنة بين شيعة وسنة بين مسلمين ومسيحيين وصابئة, بين عرب وأكراد وآشوريين وكلدان وغيرهم. هكذا أراد العابثون. أما الشرفاء فإنهم يريدونه عراقا آمنا حرا. عراقا بدون سجن وسجان. عراقا يرسم الفرح ويعيد كتابة التاريخ. عراقا لا يعرف الانتقام, ويبحث عن السلام. انه عراق الشريعة الأولى في الكون, يعيد تضميد جراحه. عراق فيه تتواصل الأوردة والشرايين ليتدفق دم جديد تحت سماء ديمقراطية الحوار. إنهم يريدون قتل العراق بحراب الشيعة المنغرسة في صدور السنة, وسيوف السنة تقطع رقاب الشيعة, وكأن الشيعة ما شبعوا لطما وندبا وهواجس مليودرامية وتراجيديا وجدانية. يريدون أن يزرعوا العراق بالموت ونريد أن نزرع العراق بالحب. نشق الصدر ونسحق الحقد ونصنع من الحب قلادة من ياسمين وورد جوري أحمر, لا بلون الدم, ولكنه أحمر بلون الخجل, خجل من أن يولد في العراق يتيم. خجل من أن يتسكع أبناء مدينة السلام التي بناها الخليفة العباسي الثاني المنصور على موانئ الغربة.
مبدع عراقي يرسم بريشته في ساحات روما وفيينا ولندن صورا باهتة لوطن عبث فيه أهله وناسه وحولوه إلى مزرعة خاصة ومقبرة خاصة وبنك خاص. عراق العلم والعلماء وعراق الشعر والأدب والمربد, سيشعلها ثورة حقيقية على قوى البغي والعبث المميت, ولن يتقاتل على ترابه الإخوة, ولكنهم سيعرقون فوق الثرى ليختلط العرق بالطين ويكون العراق منارة لصناعة الإنسان العربي القادم.
يقول سياسي عراقي: لن تنجح الفتنة هذه المرة. لن يرفع شيعي سيفه ولن يشهر سني مسدسه ولن يغضب كردي ولن يهاجر مسيحي ولن يهرب يهودي عراقي. كلهم سيعودون لوطن كان ملاذا وموطنا لل