مضى أكثر من ثلاث سنوات على بدء النشاط الرسمي لسوق الأوراق المالية في الدولة، حيث تعتبر هذه السوق حديثة بكل المقاييس، حتى إذا ما قيست بالأسواق المالية الأخرى في دول مجلس التعاون الخليجي.
لذلك لا زالت البورصة المحلية في حالة حراك وتبلور دائم ولا زال المستثمرون بحاجة للكثير من الخبرة والدراية والوعي الاستثماري والممارسات الصحية بعيدا عن البيانات غير الدقيقة التي تحرك أسعار العديد من الأسهم القيادية صعودا وهبوطا خلال فترات قصيرة لا تتعدى ساعات قليلة في بعض الأحيان.
يلاحظ أن سوق الأوراق المالية في الدولة هي واحدة من أكثر الأسواق الإقليمية تذبذبا أثناء التداولات اليومية، مما يؤثر على العديد من المستثمرين ويحملهم أعباء إضافية ناجمة عن التسهيلات الممنوحة لهم من البنوك ويعرضهم لخسائر جسيمة تترك آثارا سلبية على تعاملات السوق من جهة وعلى حياتهم العامة من جهة أخرى.
لا جدال في أن هؤلاء المستثمرين يتحملون وحدهم مسؤولية اتخاذ قراراتهم بناء على معلومات غير مدروسة أو الدخول في مضاربات تفوق إمكاناتهم وقدراتهم المالية، إلا أن الصحيح أيضا هو أن سوق الأوراق المالية بحاجة للكثير من التنظيمات واللوائح التي تنظم عملها في المستقبل.
لا ننفي في هذه العجالة مسألة المضاربة والإشاعات في كافة الأسواق المالية في العالم، بما فيها أسواق البلدان الأوروبية والأميركية، إلا أن ذلك يتم في ظل وضوح الرؤية في الأسواق، كما أن ذلك يتم في ظروف يتمتع فيها المستثمر بوعي كبير ويستعين بمستشارين ماليين قبل الإقدام على اتخاذ أية خطوة استثمارية.
وضع السوق الحالي يدعو إلى الاطمئنان بشكل عام، فالشركات المساهمة تحقق مستوى أداء جيد وأرباحاً كبيرة، كما تتوفر سيولة هائلة في الأسواق المحلية والإقليمية، إلا أن هذه العوامل تتغير بتغير الظروف وبإمكانية انخفاض أسعار النفط التي تتولد عنها السيولة النقدية، مما قد يشكل ضغوطا إضافية على سوق الأوراق المالية، قد تنجم عنها عواقب سلبية.
في الوقت الحاضر تساهم العديد من التطورات والعوامل الايجابية الآنية في حماية السوق من التدهور، إلا أن استمرار وجود هذه العوامل في المستقبل مسألة غير مضمونة، أما الضمانة الأكيدة فتكمن في استكمال وضع الأنظمة والقوانين والأسس اللازمة لعمل سوق الأوراق المالية بضوابط وأنظمة متكاملة.
في هذه الحالة فقط يمكن الحديث عن سوق متنامية وداعمة للتنمية الاقتصادية وضامنة لحقوق المساهمين الكبار منهم والصغار، فالأسواق المالية في الكثير من بلدان العالم تشكل "وعاء" استثماريا مهما، إذ من خلالها تتم إقامة وتداول أسهم الشركات المساهمة العامة، بما فيها الشركات والمؤسسات الإنتاجية.
وإذا كانت الأسواق المالية في دول الخليج، بما فيها دولة الإمارات يهيمن عليها تداول أسهم المؤسسات المصرفية والعقارية والخدمية، فإن هذه الصورة المؤقتة ستتغير على المدى البعيد لتؤسس إلى جانبها الشركات الإنتاجية العاملة في الصناعات المختلفة، وبالأخص الصناعات البتروكيماوية، حيث تقدم سابك دليلا ناجحا لهذا التوجه.
من هذا المنطلق لا يستبعد أن يطرح جزء من أسهم الشركات الصناعية في الدولة للاكتتاب العام في المستقبل، وذلك إلى جانب إقامة شركات صناعية جديدة تتوفر لها كافة عوامل النجاح، حيث سيضفي هذا التوجه المزيد من الأهمية على سوق الأوراق المالية ودورها التنموي.
حتى نصل إلى هذا المستوى الاستثماري المتقدم، فإن السوق سوف تستمر تترنح بين المضاربة والإشاعات من جهة وبين الأداء الجيد والأرباح الكبيرة للشركات من جهة أخرى، حيث يمكن للمستثمر الواعي تحقيق مكاسب مهمة، أما المضارب الصغير فعليه تحمل الأعباء والضغوط النفسية حتى يشتد عود الأسواق المالية، تلك السوق التي تسير في طريقها الصحيح في الوقت الحاضر للوصول إلى استكمال مقوماتها الأساسية في السنوات القليلة القادمة.