باختصار ووضوح: شارون وأركان قيادته مرتبكون إزاء مسألة التغير الأخير الذي حدث داخل حماس وقرارها المشاركة في الانتخابات التشريعية في يوليو القادم. تسييس حماس يؤلم إسرائيل وأميركا ويحرجهما ويعرقل مخططاتهما أكثر بما لا يقارن من تعسكرها وتبنيها للعمليات العسكرية. التصريحات الإسرائيلية الرسمية, عدا عن كثير من التعليقات الصحفية الإسرائيلية, الغاضبة من قرار حماس تنبئ بالنقمة على تحول حماس الأخير. وعلى خلفية هذه النقمة يمكن أن نقرأ التحرشات الشارونية بحماس واغتيال بعض نشطائها الميدانيين, لتوريطها ودفعها دفعاً للعدول عن خطها السياسي الجديد. وبتفصيل أكثر يمكن النظر إلى هذا الأمر من أكثر من جانب.
أولاً: إستراتيجياً وتكتيكياً يريد شارون مشجباً فلسطينيا دائماً يختبئ وراءه ويسوغ بسببه رفضه لأي حل أو تقدم على المسار السياسي, وكذا ينفذ برنامجه الخاص به. صحيح طبعاً أن المسار السياسي الحالي بمجمل مكوناته أقرب إلى العقم لكن من الضروري إخلاء طرف المسؤولية الفلسطينية عن فشله وتجمده وكشف الموقف الحقيقي الإسرائيلي إزاءه. والمشجب المفضل لدى شارون هو استمرار العمليات العسكرية الحماسية, التي صار أكثر من الواضح أنه يستخدمها لخلق مناخ متوتر يواصل تحته تدعيم وترسيخ أكثر من هدف, مثل توسعة الاستيطان في الضفة, وتكريس الجدار والمضي فيه, وسوى ذلك. شارون مغتاظ من التهدئة ولا يريدها لأنها تبدد المناخ المتوتر الذي يعتاش فيه وعليه شارون ويفاقم من خسارات الفلسطينيين. معنى ذلك أن الأثر شبه المعدوم الذي تتركه صواريخ القسام عندما تُستثار حماس فتطلقها يكون ثمنه غالياً على الأرض عن طريق اقتطاع أجزاء أكثر منها, فضلاً عن الخسارات المباشرة عندما يرد شارون بعنف على المدنيين الفلسطينيين في المناطق التي تُطلق منها الصواريخ.
ثانياً: شارون لم يقدم للفلسطينيين الذين تقودهم قيادة في منتهى الاعتدال أي شيء يذكر, وبسبب ذلك فإن الموقف الإسرائيلي سياسياً ودبلوماسياً يضعف ويتآكل. فإن كانت إسرائيل قد ظلت تتهم قيادة عرفات بأنها تشجع على الإرهاب وتطالب بقيادة معتدلة, فهي الآن تضرب هذه القيادة المعتدلة في الظهر وتحطمها. وهي يجب أن تدفع ثمن ذلك عن طريق المزيد من كشف الموقف الإسرائيلي المتطرف إزاء الموقف الفلسطيني المعتدل. واستمرار التهدئة يساعد في ذلك, وهذا لا يخدم شارون الذي يريد حرف الأنظار والعودة مرة ثانية إلى يوميات الرد العسكري فيما الموقف السياسي لإسرائيل يزداد تطرفاً لكن من دون حساب.
ثالثاً: يريد شارون أن يحافظ على صورة حماس في العالم كمنظمة إرهابية وهذا يسهل عليه ليس فقط محاربتها بل ومحاربة الفلسطينيين بشكل عام على الساحة الدولية بكونهم لم يوقفوا "إرهابهم" ضد إسرائيل. ونزوع حماس نحو التسييس يعيقه ويفقد اتهاماته لها ولهم. وقد فاقم من التوتر الشاروني الإسرائيلي إزاء صورة حماس الجديدة كمنظمة سياسية ستشارك في الانتخابات الفلسطينية وتكون ممثلة في المجلس التشريعي الإشارات القادمة من بعض الدول الغربية حول مسألة تغير النظرة لحماس ودعم تسيسها بل وفتح الخطوط معها. أي تأهيل دولي لحماس ومنحها وضعا دولياً يتجاوز توصيفها القديم بأنها منظمة إرهابية هو انتصار للفلسطينيين عموماً وهزيمة إسرائيلية سياسية مهمة.
رابعاً: ما يربك شارون أكثر تجاه "حماس الجديدة" هو ارتباك الموقف الأميركي والتناقض الذي ستجد الإدارة الأميركية نفسها فيه فيما لو سارت الأمور سيراً طبيعياً خلال الأسابيع القادمة وأجريت فعلاً الانتخابات التشريعية وشاركت فيها حماس وفازت بنصيب كبير. عندها سيكون مطلوبا من واشنطن أن تقرر وتعلن رأيها في الديمقراطية الفلسطينية ووجود حماس (الإرهابية!) في قلبها, خاصة وأنها تردد صباح مساء أن دمقرطة المنطقة تقع على رأس أولوياتها. بتفصيل أكثر وجود حماس في المجلس التشريعي, وعلى سبيل المثال في لجنة العلاقات الخارجية, أو أية لجان أخرى, سيفرض على الأميركيين أنفسهم الاجتماع مع حماس والاستماع لرأيها بكونها تمثل جزءاً لا يتجزأ من البنية السياسية الفلسطينية.
خامساً: يرى شارون أن تعزز المسار السياسي لحماس ومنحها شرعية إضافية عبر الانتخابات يصب فوق الشرعية الشعبية التي تتمتع بها سوف يقوي من حماس كتيار وحركة, كما أنه سيصلب من الصف الفلسطيني عموماً, وهو أمر يستفز أعصابه. فوجود صف فلسطيني مشتت وتتبادل الأطراف فيه الاتهامات بالفساد والتفريط, ومنقسم إلى داخل وخارج الأجهزة السياسية التمثيلية للفلسطينيين، يوفر له هوامش أوسع للتلاعب بالمصير الفلسطيني.
سادساً: الانتخابات السياسية مظهر حضاري وممارسة سياسية تنم عن نضوج أكثر من جانب في المجتمع الذي تجري فيه, وهذا أمر يثير حنق شارون الذي يريد أن تبقى صورة الفلسطينيين في العالم مرتبطة بالعنف والفوضى. يجب ألا تكون لدينا أية أوهام بأن الانتخابات القادمة سوف تحقق الحقوق الفلسطينية, أو أن يحقق الفلسطينيون عبر المجلس التشريعي ما لم يحققوه عبر العنف والعمليات ال