إن المذابح التي نتج عنها مصرع المئات من المدنيين الأبرياء في أوزبكستان، لا تشكل مفاجأة بالنسبة لهؤلاء الذين تابعوا المسار السياسي لرئيسها إسلام كريموف. فتحت حكمه لم تشهد أوزبكستان أي نهضة بل أصبحت واحدة من أكثر البلاد قمعا في العالم. والمشكلة هنا هي أن كريموف تحول ليصبح حليفا قويا لواشنطن منذ أن أعلنت الأخيرة شن الحرب على الإرهاب العالمي، وقام في هذا الإطار بمنحها قاعدة عسكرية كبيرة في خان آباد. لذلك فإننا نجد أن الإدارة الأميركية كانت متذبذبة في تعليقاتها على الأحداث الدامية التي وقعت في أوزبكستان مؤخرا، وهو ما يعكس المأزق العميق الذي تواجهه واشنطن في التعامل مع الأنظمة الاستبدادية في هذا العالم. فهي تغض الطرف عما تفعله تلك الأنظمة، وتقوم بدلا من ذلك بالتشدق بدعاوى الإصلاح.
ولحسن الحظ أن أوزبكستان ليست هي الدولة الوحيدة، التي يوجد فيها مثل هذه المآزق. فالنقاد يشيرون أيضا إلى هذه المعايير المزدوجة في تعامل الولايات المتحدة مع مصر والمملكة العربية السعودية وهما حليفان رئيسيان استبداديان، تعتبر مساعداتهما ضرورية في طائفة من المشكلات التي تتراوح ما بين حل الصراع العربي- الإسرائيلي إلى ضمان استمرار تدفق النفط إلى الولايات المتحدة بأسعار معقولة. وعلى الرغم من أن بوش قد قام بالعديد من الإشارات اللفظية لقيادتي الدولتين من أجل فتح مجتمعيهما، إلا أنه في الواقع العملي لم يوجه أي تهديد بتطبيق أي جزاء في أي من التصريحات التي أدلى بها. والقليلون هم من يعتقدون أنه ستكون هناك مثل تلك التهديدات أو الجزاءات في المستقبل القريب.
ليس هذا هو المأزق الوحيد المتعلق بالديمقراطية الذي تواجهه الولايات المتحدة. فهناك مأزق يشكل تحديا أكبر هو السؤال الخاص فيما إذا كانت الولايات المتحدة ستقوم بالاتصال بالأحزاب الإسلامية التي تشارك في الانتخابات الحرة في الشرق الأوسط، على الرغم من أن أجندتها الطويلة الأمد قد تكون معادية للولايات المتحدة.
والاختبار الأول في هذا الصدد هو العراق، حيث فازت الأحزاب الشيعية بأكبر حصة من المقاعد في الانتخابات التي عقدت في الثلاثين من يناير الماضي. وسوف يتعين الانتظار لمعرفة مدى التأثير الذي سيكون للشيعة، على عملية صياغة الدستور العراقي الجديد، ومدى التدخل الأميركي لتقليص الدور الذي سيلعبه الإسلام في مسودة الدستور.
وفي موضع آخر في المنطقة، نجد أن هناك إمكانية لنجاح كل من منظمة حماس وحزب الله في الانتخابات البلدية والانتخابات البرلمانية الفلسطينية التي ستجري خلال شهري يوليو وأغسطس على التوالي، وكذلك في الانتخابات البرلمانية اللبنانية، التي ستجري في موعد لاحق خلال الشهر الحالي.
من الناحية النظرية، يمكن للمنظمة والحزب أن يؤديا بشكل جيد في تلك الانتخابات بحيث يصبح لهما في النهاية رأي مؤثر، في تشكيل الحكومة الجديدة في كل من فلسطين ولبنان. وبعض القادة الإسرائيليين ومنهم "سيلفان شالوم" ذهبوا للقول إنه إذا ما أصبحت حماس هي الحزب المسيطر في المجتمع الفلسطيني، فإن إسرائيل يجب أن تتخلى عن خططها للانسحاب من غزة، والمقرر إجراؤه في موعد لاحق هذا الصيف. وإذا ما تم انتخاب ممثلين لحماس من خلال انتخابات حرة وعادلة، وفي وجود وإشراف دولي على الانتخابات، فإن إدارة بوش ستجد نفسها في موقف صعب. فهي لن تستطيع في تلك الحالة أن تشجب الانتخابات الحرة والعادلة لمجرد أن نتيجتها لا تروق لها. المشكلة هنا هي أن الولايات المتحدة لديها أفكار مشوشة لما تقصده بالديمقراطية. وهذا هو السبب الذي يدعو نقاد الإدارة إلى دعوتها لعدم التركيز على الانتخابات، وعلى صناديق الاقتراع، وإنما على بناء المؤسسات التي تضمن أن حقوق الأقليات سوف تتم حمايتها بشكل جيد، وأن المتطرفين لن يستطيعوا أن يفرضوا رؤيتهم، حتى لو فازوا في الانتخابات الحرة.
وهذه ليست سوى الجولة الافتتاحية الأولى في عدد من الجولات والتحديات التي ستواجه إدارة بوش، إذا ما كان الرئيس يرغب فعلا في تحقيق طموحاته الجسورة للإصلاح في المنطقة.