أثارت وفاة البابا جون بول الثاني في أبريل 2005، وتولي البابا الجديد دفة الفاتيكان والحياة الدينية والروحية للكاثوليك، العديد من الأسئلة الدينية والسياسية في العالم الإسلامي، والكثير من المقارنات بين ميزات مركزية السلطة البابوية وتعددية مراكز القرار والافتاء في البلدان الإسلامية وسلبياتها. من بين المسائل المثارة دائماً في الأفكار النهضوية العربية والإسلامية، حاجة العالم الإسلامي، كما يردد أصحاب هذا الرأي، إلى مصلح إسلامي يلعب في تراثنا ومجتمعاتنا، ذلك الدور التاريخي المعروف الذي لعبه المصلح الديني المسيحي مارتن لوثر (1483-1546) في التصدي لسلطة الكنيسة وفساد رجال الدين واحتكار المعرفة الدينية والاجتهاد. فيقلص بذلك نفوذ الجماعات الدينية وتأثير أحزاب "الإسلام السياسي"، ويمهد التربة في حياتنا السياسية للحرية الفكرية والعقلانية والليبرالية وربما حتى للعلمانية، أوعلى الأقل إضعاف سلطان القوى الدينية على القرار السياسي والثقافي!
لقد قرأ الكثير منا عن "لوثر" وحركته، ولكن الحاجة رغم ذلك ماسة لأن ننعش معلوماتنا حول إصلاحات لوثر كي نصل إلى فهم مشترك بشأنها، وما يمكننا أن نأخذ منها ونترك. بدأت "حركة الإصلاح الديني" عام 1517، في نفس السنة التي احتل فيها العثمانيون القاهرة، بعد أن سيطروا على بغداد عام 1514. كانت الحركة الإصلاحية ضرورية لعدة أسباب أبرزها خمسة: أولا, رغبة الأمراء في الاستقلال ببلدانهم عن النفوذ البابوي، حيث اعتبر بعض هؤلاء الحكام "البابا" حاكماً أجنبياً.
ثانيا, عارض الحكام أنفسهم إعفاء الكنيسة، وكل الكنائس في أوروبا الغربية كانت مرتبطة مالياً بالبابا، من الضرائب. وطمع بعض الحكام في أوقاف وعقارات الكنيسة، وعارض الكثيرون خروج ثروات بلدانهم لتذهب إلى روما!
ثالثا, أثار بعض المثقفين الأوروبيين، تحت تأثير أفكار النهضة الأوروبية، الكثير من الشكوك حول شرعية السلطة الكنسية. وقد مهد هؤلاء للثورة الإصلاحية بما وضعوا من مؤلفات تناهض تعاليم الكنيسة في مجال علم الفلك والتاريخ وتفسير التوراة والإنجيل.
رابعا, أبدى البعض استياءه من تراكم أخطاء الكنيسة ورجال الدين مثل بذخ بعض البابوات والكرادلة، وبيع صكوك الغفران التي تضمن للشاري دخول الجنة. حيث كانت هذه الأموال تجمع لبناء كاتدرائية القديس بطرس في روما. خامسا, تدهور المقام الكنسي نفسه وفقدان هيبته السياسية إثر قيام ملوك فرنسا بحبس البابوات على امتداد أكثر من 360 سنة بعيداً عن روما، في بلدة "أفينيون" الفرنسية، لتعقبها فترة ثانية امتدت قرابة الأربعين عاماً من الصراع على الشرعية البابوية بين بابوات روما وبابوات أفينيون (1378-1417).
حاول المصلحون المسيحيون الكاثوليك إصلاح الكنيسة والمؤسسة البابوية، من الداخل. حاول ذلك أولاً القس الإنجليزي "ويكلف" الذي هاجم ثراء الكنيسة ومادية سلوكها، ودعا إلى أن تكون المرجعية للكتاب المقدس، لا للبابا. ولهذا، قام بترجمة الإنجيل والتوراة إلى الإنجليزية لتنوير الناس. وانصب الغضب البابوي عليه وتمت مطاردة واضطهاد أتباعه بعنف. ثم حاول الإصلاح، رجل الدين التشيكي "هس"، وسار على خطى "ويكلف"، فقبض عليه وحوكم بتهمة الهرطقة، التي تشبه الزندقة في تراثنا، وتم ربط "هس" إلى عمود حيث أحرق حياً، فيما تولى جنود الامبراطورية الرومانية المقدسة سحق أتباعه.
وكانت المحاولة الثالثة على يد "إيراسموس" المتوفى عام 1536، الذي تبحر بالدراسات الدينية، وانتقد انحرافات الكنيسة، إلا أنه بقي كاثوليكياً مؤمناً، ولم تلتفت الكنيسة إلى آرائه الإصلاحية. وهذا الفشل المتواصل للإصلاح من الداخل، واستمرار تجاهل انتقادات المصلحين المسالمين، مهد الأوضاع لنجاح مارتن لوثر، الذي درس المسيحية بعمق، وانضم إلى أحد الأديرة، ثم تولى أستاذية كرسي اللاهوت المسيحي في جامعة "ويتنبرغ" الألمانية، التي باشر من كنيستها ثورته الإصلاحية, عندما علق على بابها انتقاداته ضد البابوية ومفاسد روما، كما أنه دعا إلى إنهاء سلطة البابا، وإلى أن يعتمد كل مسيحي على قراءة وفهم نصوص الكتاب المقدس بعد أن ترجمه إلى اللغة الألمانية، وأكد على أن المؤمن يدخل الجنة بإيمانه, دون حاجة إلى وسيط!
ثارت سلطات روما ضد لوثر وأخرجته من الكنيسة والملة. وبدأت عناصر الملك شارل الخامس، رأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة بمطاردته وتضييق الخناق عليه. ولكن مارتن لوثر، بعكس "ويكلف" و"هَسْ"، كان محظوظاً من الناحية السياسية، فقد تعاطف أمراء الولايات الألمانية الشمالية مع أفكاره ومطالبه، وتبنوا مذهبه، وبخاصة أنه كان ينادي بضرورة الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، مع ترجيح كفة السلطة السياسية، ويدعو لأن يقدم المواطنون طاعتهم المطلقة للحاكم حتى إن خالفهم في العقيدة، وأن الدولة هي صاحبة السلطة المطلقة التي تشمل الجميع، وكل الشعب والرعية، بمن فيهم رجال الدين.
وأدت تعاليم مارتن لوثر إلى نشأة كنيسة قومية، وانتهى الأمر بإنشاء كنائس لوثرية ت