من الواضح أن التعامل العربي مع الإرهاب لا يختلف كثيرا عن تعامل الولايات المتحدة معه والذي يمكن تشبيهه برجل يريد أن يطفئ نارا ولا يميز بين الماء والبنزين في إطفاء هذه النار فيصب البنزين على النار ليطفئها فيكتشف أنه زادها اشتعالا بل وأحرقته!
الاميركيون والغرب بشكل عام معذورون في طريقة تعاملهم مع الإرهاب لأنهم لا يعرفونه ولا يعرفون جذوره ولا يعرفون عناصره على رغم أنهم يدعون بأن لديهم كل المعلومات عنه ولكن الواقع كشف غير ذلك· أما نحن فيفترض أننا نعرف الإرهاب جيدا ويفترض أن نعرف كيف نتعامل معه فالنار لا تطفئها النار وإنما الماء وإذا كان الإرهابيون مشتعلين كالنار التي لا تفرق بين أي شيء تمر عليه فيجب أن نؤمن بأن من يريد أن يطفئ هذه النار يجب أن يكون ماء باردا بل وثلجا متجمدا·
بالطريقة نفسها التي تمت بها تفجيرات 12 مايو واستهدفت آنذاك ثلاثة مجمعات سكنية يقطنها غربيون في الرياض أسفرت عن سقوط 35 قتيلا·· وبعد أيام من تحذيرات أطلقتها واشنطن ولندن باحتمال شن هجمات وشيكة في المملكة، نفذ الإرهابيون عمليتهم الأخيرة في حي المحيا في الرياض منتصف ليلة السبت الماضي 8/11/·2003 ويتكون المجمع الذي استهدفه الإرهابيون من 200 فيلا ، يسكنها نحو 180 أسرة ومعظم سكانها من العرب، أغلبيتهم مسلمون، ويشكل اللبنانيون معظم سكانه، إضافة إلى أردنيين وفلسطينيين ومصريين، بينما لا يزيد عدد الأسر الأجنبية على أربع (أسرتان ألمانيتان، وأسرة إيطالية وأخرى فرنسية)· وبلغ عدد قتلى التفجير الانتحاري 17 قتيلا، منهم خمسة أطفال، وأكثر من 120 مصابا بينهم 36 طفلا و56 امرأة· بينهم عدد من الأميركيين أصيبوا بجروح طفيفة، علما بأن نحو 35 ألف أميركي وما يصل إلى 30 ألف بريطاني يقيمون في السعودية·
تأتي هذه العملية بعد أسبوعين كانا حافلين بالمطاردات والاعتقالات ومداهمة أوكار الإرهابيين وضبط كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات كان آخرها مداهمة السويدي جنوبي غرب الرياض فجر الثلاثاء قبل الماضي وقبلها في مكة المكرمة حيث تم القبض على ستة من عناصر خلية كانت تعد لعمليات تفجير كبيرة··· بينما فجر اثنان منهم نفسيهما بعد ملاحقة الشرطة لهما وذلك تجنبا للوقوع في أيديهم!
بعض التعليقات العالمية على هذا الحدث تستحق الاستعراض فالولايات المتحدة وعلى لسان نائب وزير خارجيتها ريتشارد أرميتاج ، قالت: إن الانفجار كان من تدبير إرهابيي القاعدة ، وإن هجمات أخرى ربما تكون على الطريق، بما في ذلك احتمال الاستيلاء على طائرات شحن لاستهداف مواقع حساسة في الولايات المتحدة أو حتى في السعودية·· أما وزير الخارجية البريطاني جاك سترو فقال أدين بدون تحفظ هذا العمل الهمجي البشع· هؤلاء القتلة كشفوا عن ازدراء تام بالإسلام وبشعوب كل الدول ··ومجلس التعاون الخليجي أدان الاعتداء الجبان والإرهابي ·· وألمانيا أدانت العملية بكل حزم وقالت إنها تدل مرة جديدة على أن الإرهاب الدولي لا يزال يشكل تهديدا خطيرا · كما دانتها روسيا ووصفتها بالـ الهمجية · من جانبها أعربت باكستان عن صدمتها وحزنها للتفجير· واليابان شاركت في إدانة الهجوم وجددت تعهدها بالتعاون مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب·· الرئاسة الإيطالية للاتحاد الأوروبي وجهت رسالة تعزية إلى السلطات السعودية بعد اعتداء الرياض مشددة على أن هذا العمل يؤكد ضرورة مكافحة الإرهاب بأكبر حزم ·
أما الجامعة العربية فقد أدانت بأشد العبارات هذه العملية ضد المملكة العربية السعودية وقالت في بيانها إنها تدين بكل قوة تلك الأعمال الإرهابية الإجرامية التي لا هدف لها سوى تهديد الاستقرار والتخطيط للشر وترويع الآمنين وقتلهم دونما التفات لعقيدة أو دين أو مراعاة لحرمة شهر رمضان الكريم · ماذا بعد هذه التنديدات والتهديدات؟!!·· ما هو الحل وكيف يكون؟! هل هو بتكرار تجربة أفغانستان التي نكشت فيها الولايات المتحدة عش الدبابير وبدل أن تقضي عليها تركتها تتطاير وتنتشر في كل مكان؟! أم الحل في مطالبة الإرهابيين بالتوقف أو الاستسلام ؟! أم أنه في قتلهم؟ أم أن أنجح الحلول معهم هو حل لم تنفذه أميركا بعد ولم نتوصل إليه بعد؟!!··· وقبل أن نبحث عن الحلول يجب أن نجيب على تساؤل مهم وهو أنه إذا كانت القاعدة قد نفذت العملية الأخيرة فهل كان هدفها هو قتل رعايا غربيين أم أنها كانت عملية الهدف منها ببساطة هو زعزعة استقرار المملكة؟!
لقد أثبتت النظرية الأميركية في التعامل مع الإرهاب فشلها وأفغانستان اكبر دليل على ذلك وبقاء القاعدة وفاعليتها بل وانتشارها على رغم مئات بل ربما آلاف القنابل التي ألقيت عليها أكبر دليل على هذا الفشل بل والأكثر من ذلك هو امتداد نشاط القاعدة إلى خارج أفغانستان ووصوله إلى العراق والجزيرة العربية وربما إلى دول أخرى··
المشكلة أن هناك فجوة كبيرة بيننا وبين الإرهابيين· فإرهابيو القرن الحادي والعشرين مختلفون تماما عن إرهابيي القرن العشرين وعلى سبيل المثال فان كارلوس وجماعته كانوا يقومون بالأعمال الإرهابية إما