توّجت السياسة الإيرانية مبادراتها في العراق بخطوة شجاعة قام بها وزير الخارجية كمال خرازي إلى بغداد تعتبر الأولى لوزير خارجية من دول الجوار. وخرازي ليس أي وزير خارجية أو بالأحرى ليس وزير خارجية عادياً. إنه وزير خارجية إيران، الدولة التي شنّ عليها صدام حسين حرباً دامت ثماني سنوات، وكان خلالها مدعوماً من الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص ومن معظم دول المنطقة باستثناء سوريا. والحرب تلك لم تكن خطأ فحسب بل كانت خطيئة، وجزءاً من مشروع أميركي استراتيجي هدف إلى تحقيق أمرين: الأمر الأول، إسقاط الثورة في إيران على المدى البعيد، ولذلك لابد من إشغالها في حرب تجعلها غير قادرة على الصمود والاستمرار والتطلع إلى الخارج لا سيما وأن إيران الثورة أسقطت علم إسرائيل ورفعت علم فلسطين وأقرت تغييراً استراتيجياً في سياستها الإقليمية والدولية. والأمر الثاني، تدمير أقوى جيش عربي في المنطقة. والهدفان يخدمان إسرائيل.
أميركا لم تنجح في تحقيق الهدفين في مرحلة معينة. وإن كانت قد أنهكت العراق وأربكت إيران... فعمدت إلى محاصرة العراق لسنوات. وفرضت عقوبات عليه ثم خاضت حرباً مباشرة ضده لإسقاط النظام الحاكم الذي كان حليفاً لها. وقد كلفها ذلك الكثير سياسياً ومعنوياً ومالياً وبشرياً. فهي وبالرغم من كل التطورات التي حصلت لا تزال صدقيتها مشوهة وصورتها مهزوزة نتيجة ممارسات الجنود الأميركيين هناك، ونتيجة عدم تحقيق الوعود التي أغدقت على العراقيين، فالأمن والاســتقرار غير متوفرين. والحرب لا تزال مستمرة تنتقل من منطقة إلى منطقة، والعراقيون يزدادون تشنجاً ضد الأميركيين، ودول الجوار قلقة من تفاقم الصراعات الطائفية والمذهبية في البلاد وإمكانية انعكاس ذلك عليها, ويبدو أن ثمة دوراً مباشراً للأميركيين في ذلك لا سيما وأن دراسات وتحليلات صدرت منذ مدة تشير إلى أن آخر الدواء قد يكون الكي أي التقسيم الذي يخدم المصالح الأميركية!
وإذا كان هدف تدمير الجيش العراقي والسيطرة على البلاد قد تحقق على يد الأميركيين بعد إسقاط النظام, فإن الكلفة كانت كبيرة والبلاد دخلت في المجهول. لكن الهدف الأساس وهو إسقاط النظام الإيراني انطلاقاً من الحرب العراقية عليه. فهو لم يتحقق بل أصبحت إيران هي الدولة الأكثر نفوذاً في العراق الضعيف، المفكك!.
نعم، كانت السياسة الإيرانية في العراق حكيمة، طويلة النفس، هادئة، غير انفعالية، ومستوعبة لكل المشاكل التي أثيرت في وجهها والمطبات التي واجهتها. ومنذ البداية اختار الإيرانيون عدم اللجوء إلى السلاح والعنف رغم أن كثيرين تساءلوا: لماذا لا تدعم إيران المقاومة في وجه الاحتلال؟ بل سارعت إيران إلى الاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي، وساهمت في تسهيل إقرار الدستور وقيام المؤسسات وتشكيل الحكومات وتهدئة الأوضاع؟ الجواب كان واضحاً: إن الهدف الأساس للآخرين هو توريطنا في الرمال العراقية, فلماذا نتورط في وقت نحن قادرون فيه على الثبات على الأرض العراقية سياسياً ومن خلال خطوات ومبادرات مختلفة!
وبالفعل كانت محاولات كثيرة لاستفزاز إيران وفشلت. وقد شارك الإيرانيون في كل اجتماعات دول الجوار، واستقبلوا مسؤولين عراقيين، وتعاملوا مع الحملات عليهم التي اتهمتهم بالتدخل في الشؤون العراقية بكثير من الهدوء والبرودة، وأكدوا حرصهم الدائم على أفضل العلاقات مع العراق في وقت كانت المشاكل تتفاقم وتتراكم في وجه الأميركيين, وكانت عملية إعادة بناء المؤسسات وتشكيل الحكومات ومراكز القرار في البلاد تقطع شوطاً يتأكد فيه كل مرة، الدور الشيعي المميز الذي همش لسنوات طويلة والحضور الإيراني غير المباشر... لكن القوي في كل المجالات! دون أن يعني ذلك أن إيران تصرفت شيعياً فقط. فهي كانت ولا تزال في كل خطابها السياسي تتحدث عن وحدة العراق وتقيم علاقات مع مختلف القوى السياسية الكردية والشيعية والسنية في البلاد وتدعو إلى طي صفحة الماضي معها وفيما بينهم والتفكير إلى الأمام!
لقد نجحت إيران عربياً حتى الآن وتوج النجاح بزيارة خرازي الأخيرة إلى بغداد. وهو الذي قال: إن العراق مفعم بتاريخ مشرق للغاية وشعبه ناضج ونتطلع إلى علاقات أفضل معه! وقد أشاد المسؤولون العراقيون بهذه الخطوة الإيرانية التي تفتح صفحة جديدة في العلاقات بعد أن كان مسؤولون في الحكومة السابقة قد وجهوا اتهامات قاسية لإيران إلى حد اعتبرها بعضهم العدو الأول للعراق!
هكذا تحول عدو الأمس الذي شن صدام حسين حرباً عليه، وعدو الأمس القريب في نظر وزير الدفاع السابق، إلى أقوى قوة سياسية حاضرة في البلاد وقادرة على المساعدة ويمكن معها بناء مستقبل جيد. إنها الحكمة في السياسة والمنطق في صنع التاريخ. ولا شك في أن هذه الزيارة ستؤسس لمرحلة جديدة تضع حداً لآثار الحرب المدمرة السابقة وتعالج كل المشاكل وتطوي صفحة الماضي، وتفتح آفاقاً جديدة ليس على مستوى العلاقات بين البلدين, بل على مستوى المنطقة كلها. كما أنها توفر حضوراً إيرانياً إقليمياً يؤكد أن أي حل في المنطقة لا