كثيرة فضائياتنا العربية. ما أن يمسك أحدنا بالريموت كنترول حتّـى يحتار أياً من القنوات يختار. ولا يخفى على المشاهد العربي مقدار العناء الذي تتكبده كل قناة، لاستقطاب أكبر قدر من المشاهدين، مما يعني انهمار مئات العقود من الإعلانات التجارية، على القناة المستهدفة جماهيريا. ولو عددنا البرامج الهادفة في هذا الزخم المتصارع، سنجد أنها نادرة إن لم تكن معدومة، حيث الجميع يتسابق على عرض "الهشك بشك" كما يسميها الشعب المصري في تعبير عن الرقص البلدي!
لست هنا بصدد الحديث عمّا يجري وراء كواليس كل قناة عربية، وإنما وجدتُ نفسي أتساءل, إذا كانت رؤوس الأعمال العربية تدرك أهمية الإعلام في استقطاب المشاهد العربي، فلماذا لم تحوّل أنظارها إلى الغرب، وتستثمر هذه الصناعة للترويج لقضايانا العربية، ومشاكلنا التي لا حصر لها؟! لماذا لا نجد رجال أعمال غيورين على شؤونهم العربية، يسخرون جزءا من أموالهم لتحسين صورة المواطن العربي في المجتمعات الغربية؟! ألا يعني هذا أن المستثمرين العرب، غير مبالين بسقوط المواطن العربي في مستنقع التشويه الغربي، من منطلق مقولة "كل واحد يشيل قربته على ظهره"!
لقد شاهدتُ مؤخرا فيلم "مملكة السماء" وهو صناعة هوليودية، ظهر فيه المسلمون كشعوب متحضرة، تحترم مواثيقها، وتقدّر كافة الأديان. هذا الفيلم في رأيي تنبع أهميته في مضمونه، من خلال التأكيد على أننا أمة صنعت حضارتها في الماضي، من قدرتها على التعايش السلمي مع الآخر. لقد قام هذا الفيلم بإبراز الوجه الحقيقي للعربي المسلم، فكان تأثيره الإيجابي أفضل آلاف المرات، من أداء الكثير من السياسيين العرب، الذين تعودوا أن يقفوا أمام الكاميرات، وتعلو وجوههم ابتسامات مزيفة، يرددون شعارات لم يعد أحد يلتفت إليها.
أليس عيبا أن يعجَّ إعلامنا المرئي بهذا الكم من الفضائيات، التي أضحت "كباريهات" ناطقة، في الوقت الذي يُـدير المستثمر العربي وجهه عن مجتمعه، ولا يسعى لتصحيح ملامح قومه المشوهة، بتقديمه دعم مادي إلى مخرج عالمي، يقوم بتوضيح معالم إسلامنا الحقيقي بأفلام على شاكلة "مملكة السماء"!
لننظر إلى اليهود، لقد لعبوا بورقة الإعلام، لإدراكهم أنها قناة مؤثرة في صناعة الرأي العام، وقادرة على قلب الحقائق في الاتجاه الذي يريدونه، مما مهّد الطريق أمامهم لتثبيت الكثير من الحقائق المغلوطة، حتّـى أضحت تلك الحقائق المغلوطة مع الوقت من المسلمات في نظر معظم شعوب العالم.
إعلام اليوم هو عصر المعلومات الناطقة، وأصبح أقوى وسيلة لتصحيح المفاهيم الخاطئة. وقد آن الوقت ليصبح أداة فعّالة في أيدينا. فمن واجهة الإعلام، تستطيع الشعوب فتح طاقة واسعة لتدخل منها نسائم الحرية. ومن واجهة الإعلام، تستطيع أن تنادي كذلك بإرساء معالم العدل والمساواة والديمقراطية الحقيقية. ومن واجهة الإعلام، تستطيع أن تمرر أهدافها، وتثبّت مطالبها، وتحيي تطلعاتها، وتبعث رسائلها، وتؤكد على أنها أمة تؤمن بحق الإنسانية جمعاء، في العيش على أرض يعمها الحب والسلام.
إذا لم نكن غيورين على سمعتنا، أو حريصين على تبييض صفحة وجوهنا، وإذا كان أغنياؤنا يصرون على إنشاء قنوات ترفيهية، تُساهم في تغييب العقل العربي، إذاً ما العجب إذا عقد الغربي حاجبيه دهشة، حين يستوقفه أحدهم في الطريق، قائلا له بفخر: أنا عربي مسلم، وكان لي حضارة عظيمة... تراه يهرول عنه مبتعدا، معتقدا بأنه لابد قد خرج تواً من إحدى مستشفيات المجاذيب!.