مباشرة عقب أحداث 11 سبتمبر التي هزت أميركا، وعندما بدأت قناة الجزيرة تبث خطب أسامة بن لادن، أصبح حينها الأميركيون يبدون لأول مرة اهتماما كبيرا بالإعلام العربي وما ينقله من أخبار حول المنطقة العربية. ورغم أن القليل فقط من الأميركيين يفهمون اللغة العربية وليس بوسعهم مشاهدة القنوات أو قراءة الصحف العربية بأنفسهم، إلا أن نقاشا متزايدا بدأ يظهر في الولايات المتحدة الأميركية حول التلفزيون العربي بين أشخاص لم يشاهدوه قط. وهذا بالضبط ما يجعل العديد من التعليقات والأحكام التي يطلقها الأميركيون عن وسائل الإعلام العربية سواء في التلفزيون أو الصحف تتميز بالسطحية في التحليل وتنقصها المعلومات الكافية.
ولتغيير ذلك قامت مؤخرا جامعتان أميركيتان بالاشتراك في رعاية مؤتمر أقيم في النادي القومي للصحافة في واشنطن حيث تبادلت مجموعة من الخبراء الأميركيين والعرب الآراء حول موضوع وسائل الإعلام العربية. وكان من بين المتحدثين العديد من الصحافيين العرب ممن لديهم سنوات طويلة من التجربة المباشرة في المؤسسات الإعلامية, التي جاؤوا ليتحدثوا عنها. أما المتحدثون الآخرون فكانوا أميركيين مهتمين بالشأن الإعلامي العربي, ممن تعودوا قضاء ساعات مديدة أمام القنوات العربية, و في قراءة العديد من الصحف. وكان الهدف من وراء مشاركتهم في المؤتمر, محاولة فهم كيف تنقل وسائل الإعلام العربية أخبار العالم إلى جمهورها. واللافت للنظر فعلا أن أشد الانتقادات قسوة للإعلام العربي كانت تأتي من الإعلاميين العرب أنفسهم، في حين أن أشد المدافعين عن الإعلام العربي كانوا من الأميركيين الناطقين باللغة العربية الذين يتابعون وسائل الإعلام العربية.
وبالرغم من أن الجميع كان متفقا على أن وسائل الإعلام في أي دولة تتأثر بالمحيط السياسي والثقافي والاجتماعي الذي يساهم بالتالي في تشكيلها، إلا أن اختلافات جوهرية في وجهات النظر, بين المتحدثين, طفت إلى السطح.
وفي هذا الصدد، أكد العديد من الإعلاميين العرب أن وسائل الإعلام في دولها الأصلية خاضعة للتأثير القوي للحكومات العربية ورقابتها التي تكتم الأنفاس. بل ذهب بعضهم إلى حد القول إن الإعلام العربي "لا يكون حرا إلا تحت الاحتلال" وهو ما يعني أن الإعلام حر, موجود فقط في العراق وفلسطين. وقد انتقد باقي المشاركين هذا التصريح انتقادا لاذعا، حيث وصموا تلك المقولة بالتطرف الشديد, مؤكدين أن هناك بالفعل هامشا معقولا من حرية الصحافة في العديد من الدول العربية مع الاختلاف في درجات الحرية من دولة عربية إلى أخرى. ومع أن الانتقادات التي وجهت للإعلام العربي كانت قاسية، إلا أن الصحفيين العرب أقروا بوجود قيود يضطرون للعمل ضمنها.
وبالمقابل، رأى بعض الأميركيين أن وسائل الإعلام العربية شهدت العديد من التطورات الإيجابية في الفترة الأخيرة. وقد صرح بروفيسور أميركي أجرى تحليلا مفصلا لمحتوى الإعلام العربي أن ظهور القنوات الفضائية العربية في التسعينيات أتاح فرصة كبيرة أمام الجمهور العربي لمناقشة القضايا الحساسة, وأضفى شرعية على الاعتراض والاختلاف. وأضاف البروفيسور: أن ظهور القنوات الفضائية كان أمرا إيجابيا, لأنها شكلت قاعدة حقيقية لنشوء مجتمع ديمقراطي.
وبالرغم من أن البروفيسور الأميركي أقر بأن ما يعرض في بعض الأحيان على قناة الجزيرة من برامج حوارية يؤدي إلى إطلاق آراء متطرفة ومستفزة، إلا أن العديد من البرامج الحوارية الأخرى تساهم في تثقيف الجمهور العربي وتعرفه بمجموعة متنوعة من القضايا التي تهمه، وهو ما يؤكد الفائدة الواضحة لتك القنوات.
ومن جانب آخر، أشاد العديد من المتحدثين بتلفزيون أبوظبي، حيث قال أحدهم إنه شهد تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة، وأعطى كأمثلة على ذلك البرامج التي تعالج مواضيع تهم المواطن العربي. ورغم أن بعض تلك المواضيع مثيرة للجدل، إلا أن التلفزيون يعرضها بشكل مسؤول ورزين يساعد على تثقيف المشاهدين ويقدم لهم مختلف وجهات النظر, ولا يتركهم نهباً للآراء المتطرفة التي بدأت تتسرب بين فئات الشباب في بعض المجتمعات العربية.
وفي نفس السياق، أضاف أحد المتحدثين أن نجاح تلفزيون أبوظبي أظهر إمكانية استقطاب جمهور واسع في الشرق الأوسط دون اللجوء إلى التطرف في عرض الآراء, كالذي تلجأ إليه قناة الجزيرة.
وخلال المؤتمر لم يضيّع بعض الأميركيين الفرصة لتوجيه سهام النقد إلى الإعلام الأميركي مؤكدين أنه ليس من العدل توجيه النقد فقط إلى الإعلام العربي, دون إلقاء الأضواء الكاشفة على عيوب الصحف والتلفزيون بالولايات المتحدة. وقد صرح أحدهم أن التلفزيون العربي تفوق على نظيره الأميركي في تغطية الأحداث الدولية والمحلية. وباستثناء الصحفيين الأميركيين في العراق، فإن عدد مراسلي وسائل الإعلام العربية المنتشرين في العالم هو أكبر بكثير من عددهم في القنوات الأميركية مجتمعة.
ودعا أحد الأميركيين إلى إجراء دراسة عن مدى دقة التقارير الإخبارية التي يقدمها الإعلام الأميركي حول التطورات