للحركة الطلابية دور بارز في تاريخ السودان السياسي الحديث، تعود جذوره إلى عشرينيات القرن الماضي. والسودانيون عامة يحتفون بأبنائهم الطلاب ويرون فيهم بشائر الخير التي ستحمل الوطن من ظلمات الجهل والتخلف إلى مشارف العلم والتقدم. وعلى مختلف العهود والأطوار التي مرت على السودان كانت الحركة الطلابية ممثلة بالجمعية الأدبية ثم الاتحاد في المدرسة أو الكلية أو الجامعة، هي الخلية الأولى التي تلقى فيها من سيصبحون غداً قادة العمل السياسي والإداري والثقافي تدريبهم الأول.
وبدءاً من إضراب طلاب كلية "غردون" التذكارية في الثلاثينيات، ومروراً بمؤتمر الطلبة في الأربعينيات، ثم الاتحاد العام للطلاب السودانيين في أوائل الخمسينيات، كانت الحركة الطلابية دائماً في قلب العمل الوطني ومحط أنظار المواطنين وبخاصة خلال عهود الحكم العسكري التي تكالبت على السودان منذ انقلاب نوفمبر عام 1958. وعندما يسترجع المرء أسماء قادة العمل الطلابي في مختلف أطواره، سيجد أنه من "مدرسة اتحاد الطلبة" تخرج معظم القادة الذين لعبوا أدواراً مهمة في تاريخ البلاد.
وجامعة الخرطوم - وهي أم الجامعات السودانية وأعرقها- كانت دائماً وبحكم نشأتها المبكرة هي الرائدة، وبقي اتحاد طلابها يمثل ثقلاً ووزناً كبيرين بالنسبة للحركة السياسية، وظل لعهود هو ساحة التنافس السياسي بين مختلف القوى السياسية وبخاصة اليسارية والإسلامية التي أولت الحركة الطلابية واتحاد طلاب جامعة الخرطوم بالذات اهتمامها الأكبر من قبل وبعد استيلائها على السلطة. وفي أحيان متعددة دفع اتحاد طلاب جامعة الخرطوم ثمن هذا الاهتمام الشديد بتعطيله وإلغائه.
لذلك لم يكن غريباً أن تكون انتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم محل ذلك الاهتمام والنشاط الواسع والمتابعة الدقيقة من قبل السلطة والمعارضة و"المراقبين الأجانب" الذين يعسكرون في الخرطوم هذه الأيام، وأن تطغى "أخبار المعركة الانتخابية" حتى على أخبار لجنة الدستور! فبالنسبة للحكومة والمعارضة كانت الانتخابات اختباراً للقوى في ساحة يعلم الطرفان أهميتها وأهمية مردودها على مجمل الحركة السياسية والنقابية والمهنية التي تشق الآن طريقاً صعباً للتحول الديمقراطي السلمي في مرحلة سلام ما بعد نيفاشا، وهي مرحلة يعلم الطرفان أيضاً أنها تجري تحت مراقبة دولية وإقليمية دقيقة وصارمة. وكانت الانتخابات أيضاً فرصة للتعبير عن المواقف السياسية حول القضايا الراهنة خلال الندوات والاجتماعات الموسعة التي سبقت يوم إجراء التصويت على اللوائح الانتخابية المتنافسة. وبالنسبة للطلاب كانت أيضاً فرصة لاختبار قدرتهم على ممارسة الديمقراطية بشكل صحي وصحيح.
وشهادة الحق أن الطلاب قد اجتازوا الامتحان بجدارة وسجلوا نسبة عالية من الحضور والمشاركة، وكانت الشعارات السياسية التي خاضوا معركتهم تحت راياتها تدل على وعي متقدم بظروف المرحلة ومتطلباتها. كان الشعار الرئيسي لقوى طلاب المعارضة المنضوية تحت مظلة تحالف القوى الوطنية الديمقراطية: وطن ديمقراطي كبير يسع الجميع.
هذا الشعار الذي رفعه الطلاب المعارضون وحققوا تحت رايته انتصارهم الانتخابي الباهر، لخص المطلوب شعبياً من قادة وزعماء أحزاب المعارضة أن يجدّوا في السعي لتحقيقه على أرض الواقع السياسي الكبير وليس في جامعة الخرطوم.
لقد بادر طلاب جامعة الخرطوم من مختلف فصائل المعارضة الديمقراطية بتشكيل تحالف القوى الوطنية الديمقراطية، وفي تاريخ الجامعة العريقة الطويل ليست هذه المبادرة الأولى في حقل العمل الوطني التي تقدمها الجامعة واتحادات طلابها وأساتذتها للوطن في لحظات أزماته الخانقة. وهذه المبادرة التي قاموا بها في محيطهم الصغير تستحق ما هو أكثر من الإشادة بها, تستحق النظر فيها بجدية واهتمام من قبل القيادات السياسية الكبيرة التي تعرف أي أزمة خانقة يعيشها الوطن اليوم, والتي يجب أن تكون قد تعلمت من تجارب الماضي البعيد والقريب أن الخروج بالسودان من أزماته لا يتحقق إلا بوحدة القوى الوطنية الديمقراطية وعملها المنظم والجاد من أجل تحقيق مطالب الشعب وتطلعاته في سلام يدوم وديمقراطية وعدل يسودان الجميع. وهذه وتلك ليست مطالب وتطلعات صعبة المنال إذا توفرت لدى القادة الإرادة والعزيمة والثقة في الشعب السوداني وقدرته على تحقيق آماله بقوته الذاتية المجربة عبر التاريخ.