في القرن السادس عشر كتب القاضي والفيلسوف الفرنسي لابواسييه مقالة حول تقبُّل الشعوب غير الطبيعي للحكم المستبد وللحاكم الظالم. كان يعجب كيف يمكن لعدد كبير من الناس في مجتمعات كثيرة أن يتحملوا طغيان فرد لا يملك من قوة الحكم والسلطة إلاّ ما أعطوه هم له. وكان من رأيه أن الناس هم الذين يسمحون بأن تكبلهم القيود عندما ينسون أن الطغاة بطبيعتهم يزدادون طمعاً كلما نجحوا في النهب، ويقوون أكثر كلما أظهر الناس ضعفاً.
بعد هذا الوصف المبكر للعلاقة الغريبة بين الإنسان وجلادية كتب المفكر العربي الجزائري مالك بن نبي أطروحته الشهيرة حول قابلية بعض الشعوب للاستعمار والاستعباد مبيّناً أن ذلك يتمُّ عندما تتغيّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّر نفس الإنسان ويصبح مفلساً في خلقه وفكره وعلاقاته بمجتمعه.
في اعتقادي أن في قلب ظاهرة الخنوع والقبول بالاستبداد عن طواعية مرض الخوف المبالغ فيه الذي ينقلب من كونه أمراً طبيعياً عند مواجهة الإنسان للأخطار إلى كونه شيئاً فشيئاً ظاهرة يطغى عليها الجبن والذعر. وبالطبع فالفرق كبير بين ممارسة الخوف الطبيعي وممارسة الجبن المكتسب. وعبر التاريخ لعبت الأمور الرمزية، التي تضفي هالات مبالغ فيها على السلطة ومؤسساتها ورجالها والتي تنسج الأساطير حول ضعف الناس وقلة حيلتهم، لعبت تلك الممارسات الرمزية في الدفع نحو جبن الشعوب وتعطيلها عن الوقوف على أرجلها وانتزاع حقوقها.
مناسبة هذا الحديث ما تشهده مؤخراً الساحات السياسية عبر العديد من الأقطار العربية من مظاهرات واعتصامات وعرائض ورسائل مفتوحة وقرارات مقاطعة لهذا الوضع أو ذاك. إن ذلك يشير إلى أن في الجو ما يؤكد أن حاجز الخوف الجبان عند الإنسان العربي العادي قد بدأ في التهّاوي ومعه بدأت تسقط اللامبالاة وبدأت تتعافى النفس المريضة التي وصفها لابواسييه وبن نبي ومن قبلهما أجملها القرآن المبين في الآية الكريمة "ما أصابك من سيٍّة فمن نفسك".
في هذا الجو بدأ يتضح للإنسان العربي أن العنف الذي تمارسه الدولة العربية باسم أشكال من الذرائع له حدود ومحددات تسمح بمواجهته، وهو ما يرجع الإنسان إلى الحقيقة البسيطة التي نسيها عبر السنين وهي أن سلطة الدولة هي من صنع أفرادها وساكنيها وليست قدراً من السماء لا يمكن ردّه.
لكن كسر حاجز الخوف عند الناس لم يقابله بعد كسر حاجز خوف الدولة من الناس. فلا تزال الدولة العربية تتوجّس خيفة من مواطنيها ولا تزال تنظر إليهم كمنافسين لها وليس كشركاء معها. ومن هنا المواجهة بالقمع والمحاكمات الصورية والاتهامات الكاذبة بالعمالة للخارج وزجّ الناس في السجون وتقديم ذرائع النظام والأمن على العدالة والحق.
ومن هنا أيضاً إمكانية أن ترتكب الدولة العربية حماقة تاريخية بتجاهلها لهذا التغيُّر في النفس العربية وباعتقادها أن ما يحدث هو ظاهرة مؤقتة ستزول بتغيُّر الأجواء الدولية الحالية وتعب الناس من المطالبة بحقوقهم.
لكن الحماقة الأكبر هي أن تفشل القيادات السياسية المجتمعية في الاستفادة من هذه الحالة النفسية الجديدة لتقوم بكسر حاجز الخوف الجبان في نفوسها ونفوس أعضائها من أجل تنظيم هذه الحالة الجديدة, والتأكد من استمراريتها حتى تصبح تياراً عريضاً متنامياً قادراً على نقل المجتمعات العربية من حالة الاستبداد الراهنة إلى حالة الكرامة الإنسانية والديمقراطية والعدالة والتوازن المعقول بين سلطة الدولة وسلطة المجتمع.
ثلاثية الخوف المتبادل بين مؤسسات الدولة والمجتمع الأهلي والمواطنين كانت وراء نكبات الأمة. عبر القرون ظلت هذه الثلاثية تحكم المشهد السياسي العربي برمّته. من هنا أصبح كسر حاجز ثلاثية الخوف هذه في نفوس جميع الفرقاء مدخلاً رئيسياً لنهضة سياسية جديدة. أمام المشهد السياسي العربي الحالي مطلوب من الدولة العربية ممارسة العقلانية لكسر حاجز خوفها من شعبها.