بعد ستة أيام تفتح صناديق الاستفتاء في مصر ليجيب الناخبون بنعم أو لا، على نص تعديل المادة 76 من الدستور الذي وافق عليه البرلمان المصري، والذي يحول سلطة انتخاب الرئيس من مجلس الشعب إلى جماهير الناخبين ليختاروا الرئيس من بين عدد من المرشحين عبر الانتخاب الحر المباشر. لقد اشتدت التفاعلات الداخلية والخارجية قبل موافقة مجلس الشعب المصري على نص التعديل في العاشر من مايو. ولم تقتصر تلك التفاعلات على القوى السياسية داخل مصر بهدف التأثير على الصياغة النهائية للتعديل، بل امتدت إلى الإدارة الأميركية كذلك في تصريحات الرئيس بوش التي دعا فيها إلى ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في شهر سبتمبر في حضور مراقبين دوليين وطبقاً للقواعد الديمقراطية للمنافسة. لقد كان السؤال الشاغل للمراقبين وما زال هو: إلى أين؟
يمكننا بعد انتهاء الصياغة واعتمادها بأغلبية الحزب الوطني الحاكم في البرلمان، أن نرصد التفاعلات التالية قبل أيام من موعد الاستفتاء سواء على الساحة الداخلية المصرية أو على الساحة المشتركة للعلاقات المصرية- الأميركية.
أول ما يجب رصده هو أن العنصر الحاضر الغائب في التفاعلات، هو رؤية الرئيس الأميركي بوش التي أوجزها في قوله إنه يتوقع من مصر أن تقود عملية التحول الديمقراطي في المنطقة كما سبق وقادت عملية السلام. في تقديري أن هذا العنصر مهما حاولت القوى السياسية المصرية نفي تأثيره على حركتها، فهو حاضر بقوة يلهم الحكومة تحركاتها بقدر ما يشجع سائر القوى المصرية على المطالبة بمزيد من الإصلاح عامة والدستوري على نحو خاص. ولعل البرهان على صواب تقديري هذا كـ"مراقب" هو أن أول زيارة خارجية يقوم بها رئيس الوزراء المصري بعد إقرار تعديل المادة في البرلمان هي زيارته إلى الولايات المتحدة لمقابلة الرئيس بوش وأقطاب إدارته. معنى هذا أن الحكومة تضع في حسبانها أهمية التجاوب الأميركي مع برنامجها الإصلاحي. وليس أدل على ذلك من الحوار الذي أدلى به د. نظيف رئيس الوزراء المصري خلال زيارته المذكورة لقناة "إن. بي. سي"، الذي قال فيه طبقاً للنص المنشور بصحيفة "الأهرام" الرسمية المصرية يوم الاثنين الماضي: "إن الموقف المصري هو الاتفاق مع دعوة الرئيس بوش لقيادة التوجه نحو الديمقراطية في المنطقة مثلما قادت مصر التوجه نحو السلام، ولكن مع ضرورة أن تتم هذه العملية بشكل تدريجي مع الأخذ في الاعتبار الظروف المحلية والإقليمية". ولا يمكن لأي مراقب أن يفصل زيارة د. نظيف عن محاولة وقف حملات التشجيع الأميركية للقوى المعارضة والمطالبة بمزيد من الإصلاحات العاجلة في مصر.
فقبل توجهه إلى واشنطن أدلى رئيس الوزراء بحديث لصحيفة "واشنطن بوست" اتخذ فيه موقفاً متشدداً تجاه جماعات الإخوان المسلمين، رافضاً السماح لها بأن تتحول إلى حزب في يوم من الأيام. وهو تصريح يمثل في رأيي رداً على تصريح سابق لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، التي أوضحت فيه أن الإدارة لم تعد تقبل بتخويفها من التشجيع على الديمقراطية بحجة أن الديمقراطية ستؤدي إلى صعود المتطرفين الإسلاميين إلى الحكم. وفي تقديري أن النتائج النهائية التي ستسفر عنها زيارة رئيس الوزراء المصري إلى واشنطن ستنعكس حتماً على سلوك القوى المعارضة وعلى الحكومة على حد سواء. فإذا وافقت واشنطن د. نظيف على اعتماد خط الإصلاح المتدرج الذي تأخذ به الحكومة فإن عود الحكومة سيشتد في الداخل وسيخبو صوت المعارضة المطالبة بتعجيل عمليات الإصلاح والعكس أيضاً صحيح، وهو ما سيظهر قريبا.
الأمر الثاني الذي يجب رصده في تفاعلات الأسبوع الذي يسبق الاستفتاء، هو ذلك الانشقاق بين موقف الحكومة وموقف المعارضة الرئيسية من صياغة تعديل المادة المطروحة للاستفتاء. ففي حين ترى الحكومة في الضوابط اللازمة للترشيح وفي تشكيل اللجنة العليا لانتخابات الرئيس نقلة ديمقراطية، ترى المعارضة عكس ذلك. وفي حين تدعو الحكومة الناخبين إلى الذهاب إلى صندوق الاستفتاء للموافقة, تدعو بعض أحزاب المعارضة إلى مقاطعة الاستفتاء، ويدعو الإخوان إلى الذهاب لرفض التعديل. غاية حكمنا في هذه المرحلة هي أن باب الحراك الديمقراطي فتح دون تحديد للدرجة.