كنتيجة حتمية لوباء السمنة الذي يجتاح العالم حاليا، نشأ سوق ضخم وهائل لبيع وتجارة نظم الحمية الغذائية أو الريجيم. زبائن هذا السوق هم عشرات الملايين من الأشخاص المصابين بزيادة الوزن، الآملين في حل سحري يساعدهم على التخلص من تلك الكيلوجرامات من الشحم. ومما لا شك فيه، أن أنواع البضاعة من نظم وطرق إنقاص الوزن قد وصلت إلى العشرات وربما المئات. هذه النظم تتنوع في المفهوم وتختلف في الأساسيات، ولكنها تتفق جميعها على شيء واحد، هو قدرتها وبلا استثناء على إنقاص الوزن بعشرات الكيلوجرامات، لكل من يتبعها ويسير على خطاها!
وقبل أن نستعرض الاختلافات والادعاءات بين أشهر تلك النظم وأكثرها انتشاراً، يجب أن نتوقف قليلا عند الحقائق الرئيسية عن السمنة، وعند المفاهيم الأساسية في مجال زيادة الوزن وإنقاصه. أولى تلك الحقائق والمفاهيم، هي أن العلاقة بين الجسم البشري وبين الطاقة الغذائية تأخذ ثلاثة أشكال: الطاقة الداخلة، والطاقة الخارجة، والطاقة المختزنة. الشكل الأول أو الطاقة الداخلة، هي الطاقة الموجودة في الغذاء الذي نستهلكه بشكل يومي، من نشويات وبروتينات ودهون. الشكل الثاني أو الطاقة المستهلكة، هي الطاقة التي نستهلكها في جميع أعمالنا اليومية، سواء كانت أعمالاً ذهنية مثل القراءة والكتابة، أو أعمالا بدنية مثل المشي والجري. هذا الشكل من الطاقة يستهلك جزءاً منه أيضا، من خلال الوظائف الحيوية الأساسية مثل التنفس ودورة الدم في الشرايين، وغيرهما من العمليات الضرورية لإبقائنا على قيد الحياة. الشكل الثالث من الطاقة هو الطاقة المختزنة، وهو ببساطة الفرق الكمي بين الطاقة الداخلة والطاقة الخارجة، وتنتج السمنة بالتحديد من الزيادة الكمية في هذا الشكل من الطاقة المختزنة. فإذا ما تناول الشخص كمية من الطاقة تفوق ما يستهلكه، سارع الجسم بتحويل هذا الفرق إلى دهون، يحشرها تحت الجلد إلى حين وقت الحاجة.
هذه المقدمة الأساسية والبديهية، ضرورية جدا في فهمنا لعمليات إنقاص الوزن، وفي تقييمنا لفعالية نظم الحمية والريجيم الغذائي. ولنبدأ في تقييمنا السريع هذا من نقطة زيادة الاستهلاك. فالطريقة الوحيدة الآمنة والموثقة القادرة على زيادة استهلاكنا من الطاقة، هي طريقة ممارسة الرياضة اليومية، أو زيادة النشاط البدني. فرغم أن بعض الهرمونات أو العقاقير يمكنها زيادة الاستهلاك الداخلي للطاقة، إلا أن مثل هذا الأسلوب يحمل معه مخاطر جمة، لما لتلك الهرمونات والعقاقير من مضاعفات وأعراض جانبية كثيرة وخطيرة جدا. أما نظم الريجيم التي تدعي قدرتها على زيادة استهلاك الطاقة، من خلال زيادة وتيرة العمليات الأيضية، أو من خلال زيادة ذلك أو ذاك، فلا تزيد عن كونها عمليات كذب بيِّن ونصب جلي. فالوسيلة الوحيدة والأكيدة لزيادة استهلاك الطاقة، هي زيادة حجم النشاط البدني اليومي، ولا بديل آخر عن ذلك.
المجال الثاني في سوق إنقاص الوزن، هو مجال النظم والأجهزة والمنتجات، التي تدعي قدرتها على إذابة الدهون المختزنة في الجسم والتخلص منها. وليس من الواضح كيف يتم التخلص من هذه الدهون، هل عن طريق العرق أم البول أم البراز؟ ولا يحتاج المرء لبكالوريوس في الطب أو ماجستير في العلوم، كي يدرك أن الطاقة المختزنة في الجسم البشري في شكل أنسجة دهنية، ليست قوالب من الزبد والسمن أو المارجارين، حتى تتمكن تلك الأجهزة والمنتجات من "إذابتها". ولو كانت هذه هي الفكرة الأساسية لتلك المنتجات، فيمكن للمرء أن يقف في حرارة الشمس الساطعة لبضع ساعات، حتى "تسيح" الدهون من جسمه وينقص وزنه! فالحقيقة العلمية هي أنه لا يمكن إذابة الدهون الموجودة تحت الجلد، إلا في حالة احتياج الجسم إليها لاستخدامها كمصدر للطاقة لعملياته ونشاطاته، وهي العملية التي تحدث وقتها من خلال تسلسل كيميائي فيسيولوجي معقد، تحكمه الهرمونات والإنزيمات الطبيعية. ولذا إذا ما حاول أحدهم أن يبيع لك صابونة أو كريماً أو جهازاً خاصاً لإذابة الدهون، فاعتذر بلباقة.
وبخلاف الأعشاب التي تزيد من استهلاك الطاقة، أو الأجهزة التي تذيب الدهون، يعتبر المجال الثالث في سوق إنقاص الوزن والتخلص من السمنة، أو مجال الحمية، هو الأكثر انتشارا ومبيعا. هذا المجال تحيط به هالة كبيرة، ويخطئ الجميع في فهمه، وفي إدراك طريقة عمله. فالجميع يعتقد أن نوعية الغذاء، أو تسلسل أنواع الطعام، أو التبادل والتوافق بين اللحم والدجاج والسمك، هي السر في نجاح ريجيم أو فشله. كل تلك الوصفات والإرشادات والمخططات، لا تزيد على كونها ترهات. فالريجيم الفعال يجب أن يحقق هدفا واحدا فقط لا غير، وهو خفض كمية السعرات الحرارية الداخلة إلى الجسم. وبشرط أن تكون محصلة الفرق بين الطاقة الداخلة والطاقة الخارجة بالسالب، أي أن نستهلك من الطاقة أكثر مما نحشو أجسادنا منها. ولذا مهما كان الريجيم قاسيا، أي منخفضاً في السعرات الحرارية، فلا يمكنه أن ينقص من وزننا، إذا ما كنا نركن إلى النوم طوال النهار والفرجة على التليفزيون طوال الليل. ولذا يص