لماذا يظل قطاع كبير من الساحة الشعبية أسير نظرية المؤامرة، بل وتشاركه في ذلك أغلبية من النخب الثقافية والفكرية والسياسية والرموز الدينية؟ لماذا - نحن- ومن دون الأمم كلها تستهوينا فكرة التآمر العالمي علينا؟ لماذا تزدهر شجرة التآمر عندنا وتجد أنصاراً يستظلون بها ويستمرون في الدفاع عنها حتى بعد تبيُّن زيفها؟ لماذا أصبحت للأوهام والخيالات التآمرية كل تلك الهيمنة والنفوذ على عقولنا ونفسياتنا؟ لماذا تتمكن خرافات المخططات والأجندة والمشاريع من نفوسنا؟
كتب د. الرميحي منذ 3 أسابيع مقالاً بعنوان "نظرية المؤامرة في الثقافة العربية المعاصرة"، فقال: لو كان الاعتقاد في النظرية مقصوراً على البعض لما استحق كتابة موضوع كامل حوله، ولكن الأمر المحيّر أنه ظاهرة عامة في الفضاء العربي. ويقول: إنه قرأ في "الهلال" الشهري مؤخراً، مقالاً لأستاذ كبير يؤكد فيه أن من هدم البرجين في مانهاتن عام 2001 ليسوا من العرب! وجاء بشواهده المسهبة التي يمكن أن توصف بأي وصف عدا أنها شواهد عقلية، وهناك الأستاذ الكبير الذي لا يزال يُصرّ على أن هدم البرجين بالتأكيد من عمل الصِّرب اليوغسلاف. لقد بلغ تمكن وسيطرة هذه النظرية على عقولنا درجة أنه ما من حدث يحصل على الساحة إلا والتفسير التآمري هو الأبرز والأكثر شيوعاً.
ما سرّ هذه الهالة البراقة لنظرية المؤامرة؟ لماذا تستهوينا إلى حد الهوس؟ الثورة المصرية ما هي إلا مؤامرة أميركية، وعبدالناصر مات مسموماً، وكذلك عرفات عبر تآمر من قبل "الموساد" وهناك حملة المليون توقيع، وحادثة المنشية مؤامرة ملفّقة لضرب الإخوان، وسعاد حسني ماتت بمؤامرة، والقضاء البريطاني تواطأ وأخفى الحقيقة - طبقاً لصحيفة مصرية أسبوعية منتشرة- وديانا قتلت بمؤامرة لأنها أرادت الزواج بمسلم. أما تفجيرات طابا فمن عمل "الموساد", و"الموساد" وراء تفجيرات العراق وبخاصة تلك التي هزت السفارة الأردنية في بغداد. والزرقاوي شخصية وهمية اخترعتها أميركا لتبرير ضربها للعراقيين، كما أن غزو الكويت مؤامرة أميركية عبر السفيرة جلاسبي التي استدرجت صدام لماذا؟ لاستمرار هيمنتها على الخليج وابتزاز موارده وتدمير العراق خدمة لإسرائيل. وحتى انفجارات الرياض وراءها أميركا كما ألمح إليها أستاذ الإعلام المساعد بجامعة الملك سعود د. القرني، حتى تنقل الإرهاب بعيداً عن أرضها. بل الزلزال الآسيوي ومد تسونامي، عبارة عن مؤامرة أميركية لضرب البنية التحتية لآسيا، لشلّ اقتصادها، وكان ذلك بفعل تجارب نووية أجرتها أميركا في أعماق المحيط الهندي!
تُرى ما هي العوامل التي تساعد على ازدهار شجرة التآمر في الأرض العربية؟
د. أحمد بشارة له مقالة رائعة أجابت على هذا التساؤل، وذكر من تلك العوامل: الشك المتأصل في الغير، وشيوع ثقافة السمع، وتراجع مكانة القراءة والاطلاع والبحث، وتغلغل الفكر الغيبي، وضعف الثقافة العلمية، وسيطرة دعاة الأيديولوجيا على الإعلام.
وأتصور أن هناك عوامل أخرى ترسخ النظرية في الذهنية العربية منها:
1- العامل النفسي: فنظرية المؤامرة تعفينا من المسؤولية، وتريحنا، فنحن لم نقصر في شيء واجتهدنا، ولكن الآخر الشرير تآمر علينا لأنه لا يلتزم المبادئ الأخلاقية. وهذا العامل هو الذي يفسر تسيّد دعاة التخريف وباعة الأوهام والشعارات ونجوم التطرف وأصحاب الحناجر الغاضبة في الأوساط الشعبية. لأن كل هؤلاء يريحون الجماهير عبر إلقاء اللوم على الآخر. ولذلك تنتشر كتب السحر والعين والحسد والشعوذة والإيمان بقدرة العفاريت والمس الشيطاني والاعتقاد بقدرات الأولياء والأضرحة، وهو ما يفسر إقبال الفضائيات على استضافة الفلكيين لاستشراف المستقبل عبر الأبراج. ويصدّق الناس الشيخ الزنداني حينما يقول إنه اكتشف علاجاً لفيروس "سارز"! ويتقبلون خوارق الجهاد الأفغاني عن الطير الأبابيل التي أسقطت الطائرات الروسية كما حدثهم عبدالله عزام رحمه الله في كتابه "آيات الرحمن في جهاد الأفغان"، كما صدقوا من قبل تخريفات النصاب الفرنسي "ميسان" صاحب "الخديعة المرعبة". وفي كل تلك الحوادث والأحداث، نحن ضحايا لا حول لنا ولا قوة ولا ذنب لنا فيما حصل لنا.
2- العامل التاريخي: نظرية المؤامرة لها جذور عميقة في تاريخنا، فاليهود لعبوا دوراً تآمرياً خطراً ضد دولة المسلمين الوليدة في المدينة المنورة، والفتنة الكبرى التي قصمت ظهر المسلمين، وراءها اليهودي عبدالله بن سبأ. وفي العصر الحديث تم زرع إسرائيل في قلب العالم العربي عبر تآمر غربي، وليس مهماً أن نعرف أن ابن سبأ شخصية وهمية.
3- العامل الثقافي: الثقافة الإسلامية في التعليم العام والعالي ترسخ في نفسية وذهنية المسلمين اعتقاداً راسخاً من أن اليهود مصدر شرور العالم، و"بروتوكولات حكماء صهيون" للسيطرة على العالم صحيحة عندنا رغم أنها من عمل الاستخبارات الروسية للتنكيل باليهود أيام القياصرة في روسيا، طبقاً للمسيري.
4- العامل التراثي: في التراث آثار وأخبار عن آخر الزمان والفتن والصراع بين العرب و