قال لي صديق من كوريا الجنوبية, كنت أعرف الكويت منذ الستينيات ونحن على مقاعد الدراسة حيث كانت من أكبر الدول في دخلها الاقتصادي الذي بلغ أكثر من 30 ألف دولار للفرد، بينما كانت كوريا الجنوبية لم يتجاوز دخلها بضع مئات الدولارات, وكانت جارتنا كوريا الشمالية تفوقنا في دخلها القومي. خلال فترة وجيزة استطعنا في كوريا الجنوبية أن نحقق قفزات اقتصادية كبيرة ووصلنا إلى صفوف الدول المتقدمة صناعياً، أما أنتم فلم تتمكنوا من الاستفادة من ثروتكم النفطية وتراجع دخلكم الاقتصادي.
لم يكن حديث الصديق الكوري الجنوبي مفاجأة لي، فمعظم الدول النفطية وخصوصاً منها العربية أخفقت في تحقيق تطور اقتصادي واجتماعي، بقدر ما نجحت في توظيف عوائد النفط على توزيع الهبات، وتحولت شعوب هذه الدول إلى الاعتمادية المطلقة على الدولة.
لم تكن كوريا الجنوبية وحدها من حقق المعجزات، فقصة تطور الشرق حكاية تاريخية نحن في حاجه إلى فهمها واستيعاب كيف كان بمقدور هذه الدول أن تنفض الغبار عنها وأن تتحول دول مثل ماليزيا وسنغافورة واليابان والصين وتايلاند والهند إلى دول صناعية حالها مثل حال دول أوروبا الغربية.
نمط النمو الاقتصادي في شرق آسيا يختلف عنه في الغرب، واستطاعت كل دولة أن تحقق نجاحاً باهرا في مسيرة تطورها، ولم يعقها ماضيها وتراثها والعلاقات العدائية بينها، بأن تتحول إلى كتله اقتصادية فاعلة في الاقتصاد العالمي.
دخلت اليابان في حروب طاحنة مع كوريا الجنوبية وماليزيا والفيليبين، وتم طي ذلك الماضي البغيض, وتمكنت هذه الدول من ماضيها وتعلمت من تجربة تطور اليابان.
كما أن للعقيدة الكونفوشيوسية دورا كبيرا في بناء الاقتصاد الياباني وبقية دول شرق آسيا، والزائر لهذه الدول يدرك مدى تجذر هذه العقيدة التي دفعت المقتنعين بها إلى تقديس قيم العمل والعلم والعائلة. ولم تتحول معابد كيوتو في اليابان أو معابد بانكوك وسيئول إلى عائق نحو الجديد والانفتاح على العالم.
ويقول مهاتير محمد في إحدى كتاباته "صوت آسيا": لقد أدى انتشار الحداثة الأوروبية إلى حربين عالميتين جعلتا القرن العشرين أكثر القرون دموية. ففي عالم متعدد الثقافات يمكن أن يكون انتشار الأفكار لعبة صفرية، حيث تتغلب بعض العقائد على غيرها. ولكن هذا لا يعني أيضاً أننا نسبح مع تيار التاريخ بشكل سلبي، علينا أن نبدأ البحث الجاد عن وسيلة جديدة، وذلك لن يكون إلا بالتخلي عن أنماط التفكير القديمة. نجح مهاتير محمد كقائد كبير لماليزيا واستطاع أن يمازج بين التعددية الثقافية في بلاده, وجعل من الإسلام دينا يدفع المؤمنين به إلى التطور، بخلاف ما حدث في معظم البلاد الإسلامية الأخرى.
لا نقول إن القطار فاتنا، إلا أنه علينا أن ندرك أن حكاية الشرق ما كان لها أن تكتمل لولا توفر زعامات قادتها نحو التلاحم مع العالم، والانفتاح عليه. حالة الكويت هي نموذج لدول الخليج النفطية التي مازالت تتخبط في سياساتها وعجز مجلس تعاونها أن يوفق بين سياسات أعضائه. الواقع العالمي الجديد يحتم على دولنا الخليجية أن تعيد النظر في سياساتها، فهي تملك ثروة نفطية ضخمة تعود عليها بمداخيل كبيرة تمكنها من أن تتحول إلى دول نموذجية. نحن ندرك أن القرار ليس بسهل وثمة معوقات حقيقية علينا مواجهتها. أما الاعتقاد بأن المال النفطي قادر على حل كل معضلاتنا فهو وهم وعلى قيادتنا أن تصحو من غيبوبتها وتلتفت يمينا وشمالا فلعلها تعي أن "دوام الحال من المحال"!.