ماذا يحدث؟
إعلانات العقار والبناء تتوالى كسيلٍ عرم، صارت الموضة لا تقف عند قصة الشعر، أو لون فستان، أو شكل حناء، فقد امتدت لتطغى على قطاع خطير، تأتي خطورته من تتابع النتائج القادمة بسبب هذا العقار الذي يتطاول ويتسع ليأكل ذهب الصحراء، ويقتل روعة زرقة البحر وطبيعته التي لم تعد أبداً كما كانت وكما يجب أن تكون.
الاستثمار ذكاء اقتصادي مطلوب ومُلح لطرح بدائل اقتصادية وتنويع مصادر الدخل لكل إمارة بشكل خاص، وللدولة بشكل عام. لكن هل سيفي هذا العقار السرطاني بمطلب استثماري ناجح وتحتاجه دعائم اقتصاد الدولة! ...أشك!
فهذا العقار الذي يتكاثر كالنبت الشيطاني، أولى مصائبه زيادة الخلل في تركيبة سكان دولة الإمارات. ثانياً، لماذا لا يلتفت إلى قطاع السياحة بدلاً من هذا الجنون العقاري الذي لم ترتكب مثله دولة في العالم؟. ثالثا، أين الاستثمار في الأمر والعقار مادة معرضة للمنافسة وسوء التعامل واحتمال الخسائر متوقع وكبير، ولابد أن هذا السوق سيطرح أسئلة أخرى عديدة تتصاعد كلما لاح برق عمارة سكنية، أو ناطحة سحاب جديدة.
ثم لماذا الإصرار على تشابه الاستثمار؟، لماذا لا يكون لكل إمارة ذكاؤها الخاص في ابتكار استثمار جديد مختلف، ويؤتي أكله بسرعة ودون عواقب صعبة؟
المؤسف أن شركات العقار القادمة كتنين النار لم تستعن بدراسات السوق أو بجدواها الاقتصادية، لأنها ذهبت إلى مناحي التقليد دون قلق السقوط في فخ التكرار, والفشل في إنجاح مثل هذه المشاريع.
لأول مرة يحدث أن تستثمر دولة ذاتها أو تستدرج الأجانب ليتمتعوا بخيراتها، ويبقى المواطن محصوراً في خانة ضيقة وسط أفواج رقمية هائلة من البشر، لأنه الأقل عدداً والمغلوب على أمره والمتقاعس عن المطالبة بإيقاف هذه الحمى التي يكمن مستقبلها الوحيد في الإطاحة بأمل يتيم يحلم بإنقاذ التركيبة, وبإيقاف استيراد مزيد من الأجانب، وإيداعهم في غياهب هذه الناطحات, وليذهب تراب الوطن بعدها إلى جحيم الوحدة... والحرائق القادمة من جهات العالم الأربع.
الموضة المضادة مطلوبة، والفطنة تكمن في استثمار لا يقوض دعائم وطن، بل يزيد عليه ليؤسس لقوة اقتصادية حقيقية، تشعبت لتصل إلى أصقاع الأرض بحثاً عن اقتصاد أكثر متانة وأبعد من مجرد إسمنت وزجاج, ليدعي بعدها أنه يملك اقتصاداً لا يضاهى.
هل سيخترع مضاد حيوي عاجل لهذه الحمى العقارية؟, هل من يخبرهم أنه حينما تباع الأرض لغير أهلها يضيع الأهل والبلد والمال بذاته؟.
صار الأمر مرعباً، يخشى أحدنا أن يستيقظ ذات صباح، ليرى أن الأرض بما رحبت تحولت إلى ناطحات سحاب غريبة الشكل والمضمون، وأن الأمر برمته كابوس، لكنه لا ينتهي ولا يبدو أن آخره قد حان، لأنه لا زال البعض يعتبر أنه غير معني بصالح الوطن، وأن عمارة واحدة ليست بنهاية العالم... رغم أنها النهاية المؤكدة والمكتوبة بملح الختام، وحزن البحر والسماء, حين لا يجد البحر لأقدامه فرصة مجاورة رمل نقي يلوثه إسمنت، ولا يعتدي على عفته غريب أو تاجر يبيعه بثمن بخس وهو فيه من الزاهدين!.