المواطن الصالح حلم كل حكومة في شرق الكرة الأرضية وغربها وشمالها وجنوبها. وتعريف الصالح بالطبع يتفاوت شكليا بين حكومة ديمقراطية وحكومة ديكتاتورية، بين مواطن يدفع الضرائب بصمت، يصوت للحزب الحاكم، وبين مواطن تصوت الحكومة نيابة عنه فهي أعلم بالمصلحة العليا. والمواطن الصالح في الدول العربية هو من يعيش في كنف الحكومة من المهد إلى اللحد, يمجد الرئيس القائد, يسبح بحمد الحكومة متخذا شعار "ما للدولة للدولة وما عدا ذلك أيضا للدولة"، فكيف تصل بمواطنيك لوضعية المواطن الصالح؟ إنه لا شك سؤال مهم يحمل قدرا من حسد الدول الديمقراطية للدول النامية أو النائمة بتعبير أدق، ويشكل لغزاً حاول حله سلسلة من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وحتى مؤرخي التاريخ.
إن الوصول بالمواطن إلى هذه الوضعية المثالية يتطلب مراحل وتربية وتنشئة, إذ تبدأ عملية ترويض المواطن العربي من مرحلة الطفولة الدنيا, فالمراهقة والشباب, حيث أهم المخرجات. وفي كل مرحلة هناك استراتيجيات مختلفة لترويض المواطن وتعويده على "الطاعة" والسلبية المحمودة من قبل النظام، حتى وإن فتحت العولمة أبواب المجتمعات المنغلقة, وهبت رياح الحرية والديمقراطية وبلغت الرياح العاتية أبواب الدولة يوم كان المواطن الصالح سدا منيعا أمام دعاوى التغريب الغربي والفساد والفوضى. فالمواطن مقتنع بأن التغيير والإصلاح لابد وأن ينبع من الداخل, والداخل في حلٍّ من الصداع الديمقراطي، والأدهى من كل ذلك تعريف "الداخل" المتمثل بالتأكيد بالحكومة، فهي أدرى بالصالح العام والخاص.
في الأسرة حيث أولى مراحل التنشئة يروض المجتمع الفرد بدءا بأسرته حيث يزرع الولاء للأب رمز السلطة الأول، ثم للأسرة فالقبيلة فالمذهب أو الطائفة. وتنشأ من الولاء الطاعة العمياء. فالطفل المطيع الراضخ هو طفل صالح. أما الطفل الفضولي المنفتح على الأسئلة فهو طفل عاصٍ خارج عن طوع الجماعة، وتنشأ التراتبية في العائلة، وبذا يهيأ الطفل لمراحل التنشئة اللاحقة التي تتضافر في الأسرة، المدرسة والمجتمع وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك السلطة.
تمر عملية التدجين بمراحل تبدأ والمواطن الطفل على أبواب المدارس، فينتقل إلى تعليم صارم لا يقبل الاختلاف ولم يسمع بحرية إبداء الرأي, حيث المدرس (رمز السلطة) يمارس مهامه عن قصد أو عن غير قصد مروضا خيال الطالب, كابحا جماح حب المعرفة والاستطلاع. فالمدرس ممثل الحقيقة المطلقة, فلا مجال لنقاش لن يؤدي إلا إلى معاقبة الطالب, ولا مجال لأسئلة خلافية مع ما هو مقرر من قبل مؤسسات التعليم. تربية تعزز القبول بما بين دفتي الكتب المدرسية، والموافقة المطلقة مع آراء المدرس, فالهدف هو النجاح أولا وأخيرا، وهكذا تمضي السنوات الدراسية في عملية تدجين على الطاعة ورفض الاختلاف.
في الشارع كما في المنزل والمدرسة تستمر منهجية الترويض بزرع الخوف في نفس المواطن من إبداء رأي معارض للرأي الحكومي الرسمي، فلا صوت يعلو على صوت الحكومة ولا مواطن صالح يجرؤ على التفكير حتى بالاختلاف، لكن كل ذلك لا يمنع أن تخرج بين فينة وأخرى فئة ضالة عن القطيع تنادي بقيم لم تربَّ عليها أو تستورد دعاوى تتحدث عن معارضة ورأي آخر، مشاركة سياسة، حقوق للمرأة، حقوق للإنسان، فمتى كان المواطن الصالح إنسانا؟ ومتى بقي رأس ينادي بتداول السلطة؟ فالسلطة لها رأس وولي عهد وأقطاب حكومة وحزب حاكم وصناديق اقتراع يصوت فيها الأحياء والأموات, فقد تنزل النسبة فيها من الـ 99% إلى 98% لمقتضيات الإعلام والمجتمع الدولي فحسب.
المواطن العربي الصالح في شبابه مشغول بالجري خلف لقمة العيش مهما كان المستوى المادي للدولة. فالطقوس ذاتها بين مجتمع يعيش على حد الكفاف إلى مجتمعات الرفاهية، فالحياة المادية تطغى على مفردات الأفراد، بناء الحياة الأسرية والاستقرار العائلي القبول بالأمر الواقع فالسياسة للساسة، فالنظام الحاكم يضع قواعد لكل شيء، يحصي أنفاس الجميع يرصد حركاتهم وسكناتهم ويضخ في عقولهم بوسائل إعلامه كل ما تنتجه حضارة الاستهلاك من حاجات ومتطلبات مصطنعه تشغله عن حق التساؤل.
في النهاية تحل نهاية الدولة فالسلطة التي تمسخ أفرادها لتجعلهم أدوات مطيعة سرعان ما تصطدم و... لو بعد حين بأنها لا تستطيع أن تحقق إنجازات حضارية بأناس ممسوخين, فمواطن, "لا أسمع لا أرى لا أتكلم" الصالح, إلى انقراض طالت المدة أم قصرت.