إذا كان رأي الكثير من علماء المسلمين قد استقر على أن العلمانية كما ظهرت في الغرب تتناقض مع الإسلام, عقيدة وشريعة, وذلك لأنها تحمل في داخلها عناصر الكفر البواح, إذا كان الأمر كذلك فإن السؤال الذي ما زال يفرض نفسه هو: ما هو البديل في هذه الحالة؟ والإجابة الجاهزة دائما هي أن الإسلام يختلف عن المسيحية اختلافاً تاماً. يقول الشيخ القرضاوي إن المسيحي "يمكن أن يقبل العلمانية حاكما, أو محكوما, ويبقى مع هذا مسيحيا غير مخدوش ولا مقهور في عقيدته ولا شريعته". والسبب أن المسيحية "لم تجئ نظاما كاملا للحياة". على العكس تقبل المسيحية "ترك شؤون السياسة للحاكمين الدنيويين, بعيدا عن توجيه الدين وهداية الله...", وذلك استنادا إلى مقولة المسيح, "دع ما لقيصر لقيصر, وما لله لله". في مقابل ذلك, جاء الإسلام نظاما كاملا للحياة. والإسلام بذلك, "عقيدة وشريعة. فالعقيدة هي الأساس, والشريعة هي المنهاج. فهو عقيدة تنبثق منها شريعة, يقوم عليها المجتمع". إلى جانب ذلك "هي شريعة ربانية المصدر, ... والحكم بها والاحتكام إليها من لوازم الإيمان, ودلائل الالتزام بالإسلام". (الإسلام والعلمانية, ص 72 ـ 73) من هنا فإن البديل الذي يقدمه الإسلام هو تطبيق الشريعة في جميع شؤون الحياة, بما في ذلك شؤون السياسة وشؤون الحكم.
هذه بشكل عام المجادلة التي يستند إليها الخطاب الديني في رفضه للعلمانية. والحقيقة أن الإشكالية في هذه المجادلة لا تتمثل في رفض العلمانية بحد ذاتها, وإنما تكمن في أنها أولا, لا تقدم أكثر من افتراض لم يتحقق, وثانيا, ادعاء الخطاب أنه بهذه المجادلة يقدم البديل الناجع, وفي تقريريته بأن هذا البديل واضح غير قابل للنقض. هذا في حين أنه لا يقدم أكثر من مجادلة أخلاقية ومثالية, وغير تاريخية تفتقر في واقع الأمر إلى بديل يمكن الإمساك به, أو الاحتكام إليه. عندما نأخذ الشريعة باعتبارها البديل, نجد أنها أولا تفتقر إلى نموذج سياسي ينظم شؤون الحكم على أساس من العدل والشورى والحرية, وأنها تفتقر إلى فهم مانع وجامع لها بين المسلمين. ما الذي يتبقى من الشريعة في هذه الحالة عندما تفتقر إلى النموذج السياسي, وعندما لا تنطوي على مفهوم واحد يمكن أن يتحقق حوله الإجماع؟ يتبقى الاختلاف في فهم الشريعة, والانتقائية في تطبيقها, ومن ثم الاستبداد, وهو السمة التي ميزت التاريخ الإسلامي منذ نهاية عصر الخلافة الراشدة.
السؤال الذي يغيب, أو ربما يتم تجاهله من قبل أصحاب الخطاب الديني في هذا السياق هو: إذا كان تطبيق الشريعة هو بهذا الوضوح الذي يفترضه هؤلاء, فلماذا بقي سؤال الحكم معلقا من دون إجابة واضحة طوال التاريخ الإسلامي؟ لقد طرح هذا السؤال, أول ما طرح, في السقيفة, وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة, لكنه رفع بعد ذلك وبقي حتى هذه اللحظة يبحث عن إجابة يتحقق حولها الإجماع. ورغم أن ما حدث في السقيفة من جدل واختلاف بين الأنصار والمهاجرين شكل تحديا خطيرا للدولة الوليدة, إلا أنه لم يفضِ إلى معالجة لسؤال الحكم. نعم تم تجاوز الخلاف في السقيفة بطريقة تحققت فيها, ولأول مرة, عملية الشورى إزاء أول وأخطر سؤال سياسي يواجه الأمة بعد النبي, إلا أن الدرس الذي فرضه هذا التحدي لم يتم استيعابه بما يؤسس لنظام استخلاف واضح ومستقر, يحظى بالإجماع, ويسهل عملية تداول الحكم بطريقة سلسة وسلمية. ونتيجة لذلك يلاحظ أن كلا من الخلفاء الراشدين الأربعة تسلم الخلافة بطريقة تختلف عن الآخر. وعندما انفجرت الفتنة الكبرى بمقتل الخليفة الثالث, عثمان بن عفان, كان الطريق ممهدا لطريقة خامسة, وهي طريقة الاستيلاء على الخلافة بقوة السيف من قبل معاوية بن أبي سفيان. وقد أشار معاوية إلى ذلك في خطبة له في عام الجماعة, 41هـ, حين قال, "والله ما وليتها بمحبة عرفتها منكم, ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة...".
منذ ذلك الحين بقي سؤال الحكم معلقاً من دون إجابة. الأسوأ من ذلك أن تداول هذا السؤال أصبح غير مسموح به, وهو ما استجاب له الفقه الإسلامي بأن ترك السؤال موضوعا ثانويا, يغيب أحيانا بشكل تام عن مصنفات هذا الفقه. لماذا؟ لأن الحكم تحول بعد الخلفاء الراشدين إلى ما يسميه المسلمون بـ"الملك العضوض". وفي ذلك أحاديث ومرويات كثيرة. جاء في كتاب الفتن لنعيم بن حماد أن حذيفة بن اليمان حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة, ثم يكون خلافة ورحمة, ثم يكون ملكا عضوضا, يشربون الخمر ويلبسون الحرير ويستحلون الفروج". وبمثله حدث عبيدة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أول هذا الأمة نبوة ورحمة, ثم خلافة ورحمة, ثم يكون ملكا عضوضا, ثم يصير جبرية وعبثا". (عن فهمي جدعان, المحنة, ص 323).
مهما تكن درجة هذه وغيرها من الأحاديث, ومهما يكن من أمر توظيفها في لجة الصراعات السياسية آنذاك, إلا أنه من الواضح هنا أن الشريعة تعرضت في هذا التاريخ السياسي لعملية تحييد واضحة. الأكثر من ذلك أن عملية التحييد هذه تمت وتتم وفقاً لرؤية معينة للشري