دعوكم من معالجة نبات الذرة أو انتظار العشب ليشق الأرض وينبت، فهذه أشياء لن تجدي كثيرا. واهتموا أكثر بالخشب لأنه ببساطة يمكنه أن يكون المُنتج الأساسي لما يكفي من غاز الإيثانول لتشغيل السيارات والشاحنات التي تعج بها المدن الأميركية خلال هذا القرن. هذا، بالضبط، ما تعتقده مجموعة من الباحثين في جامعة نيويورك، حيث اكتشفوا مؤخرا، أثناء عملية صنع الورق، وجود طريقة اقتصادية وغير مكلفة لاستخراج سكريات غنية بالطاقة. ويمكن تحويل هذه السكريات إلى غاز الإيثانول، أو إلى مواد مضافة إلى البنزين أو أية مواد كيماوية أخرى مفيدة.
ويطلق الباحثون على هذه العملية اسم المصفاة الإحيائية. إذ يقدر الباحثون أنه في حالة تركيب هذه المصافي الإحيائية في معامل الورق بأميركا، فإن إنتاج الإيثانول يمكن أن يصل إلى 2.4 مليار جالون في السنة الواحدة، أو كما تشير التقديرات يمكن للإنتاج أن يغطي80% من احتياجات أميركا المرتقبة من الإيثانول.
ويؤكد توماس أميدون، البروفيسور بكلية علوم البيئة والغابات بجامعة نيويورك، أن "مصادرنا من الوقود الأحفوري التي نستعملها حاليا لن تدوم إلى الأبد، وأنها ستنضب في وقت ما في المستقبل، لذا فإن المصافي الإحيائية تبقى خيارا قائما يجب أخذه مأخذ الجد، لأنها تسمح لنا باستبدال الوقود الأحفوري بمصدر مستدام للطاقة, والمتمثل في الخشب". ومن المعروف أن المكون الأساسي لخشب الأشجار الصلب هو "السيلولوز" والذي يصنع منه الورق. أما ثاني أكبر مكون للخشب الصلب فهو سكر "كزيلان" الذي لا يقل أهمية عن "السيلولوز". ويشير د. أميدون قائلا "فبينما تحتوي الأخشاب الرطبة للغابات الشمالية من 9 إلى 14% من الزيلان، فإن الأخشاب الصلبة تحتوي، بالمقابل، على 35% من هذا السكر".
وتكمن أهمية الزيلان في أنه يُنتج، في حالة استخلاصه وتخميره، الإيثانول الذي يمكن مزجه مع البنزين واستخدامه كوقود. غير أن المشكلة حاليا أن معامل الورق تقوم بإذابة الزيلان في عملية صنع الورق وبالتالي تهدره دون الاستفادة منه بالشكل المرغوب. ويضيف د. أميدون أنه "من المترقب أن يتم الكشف عن استعمالات أخرى للزيلان كاستخدامه للتحكم في رش المبيدات الحشرية نظرا لطبيعته الكثيفة". ويرى البروفيسور أميدون أن ما يحدث في المصافي الإحيائية هو عملية يتم من خلالها تدفق الماء الساخن والمضغوط فوق قاعدة من رقائق الخشب لفصل السيلولوز عن الورق، ثم بعدها يتم دفع الماء بقوة عبر غشاء لإزالة السكريات وحامض الخل، ويتم حرق ما تبقى أو تحويله إلى غاز بغية استعماله للحصول على الطاقة أو لاستعمالات أخرى كالتدفئة التي يحتاجها الأميركيون بشدة، خصوصا في برد الشتاء القاسي.
ويؤكد أميدون على أنه لا تستعمل أية مواد كيماوية ضارة في عملية فصل الزيلان "فالمواد التي تذاب في الماء طبيعية، كما أننا نعرف كيف ننظف الماء جيدا ولا تُترك فيه أية شوائب، حتى إذا ما سُكب في البيئة فإن ذلك لا يعرضها لأي نتائج سلبية بعيدة المدى"، وبالموازاة مع عملية فصل الزيلان هناك مواد أخرى يتم إنتاجها، فخلال عملية التخمير يتم إفراز كميات صغيرة ولكنها قيمة من حامض الخل وهو عنصر حيوي في تصنيع مادة أسيد البولينفيل المستعملة بكثرة في مواد البناء، علاوة على أن القيمة التجارية لحامض الخل تفوق تقريبا تلك الخاصة بالإيثانول بثلاث مرات: 45 سنتا للبولينفيل مقابل 18 سنتا للإيثانول للرطل الواحد.
ويوضح أميدون سبب اختياره للأشجار وتفضيلها على محاصيل زراعية أخرى لكونها تمتلك العديد من المميزات. فالخشب محصول متوفر طوال السنة ويمكن جمع حصاده في كل شهر من شهورها، كما أنه يتميز بالكثافة ولا يفسد أو يتلاشى بسرعة مما يسهل عملية نقله وتخزينه، هذا بالإضافة إلى أن عمليات التصنيع الكبرى تحتاج دائما للعمل على مدار السنة, حتى يكون المردود الاقتصادي جيدا ويغري الشركات العاملة في مجال صناعة الورق بالاستثمار، وهذا ما يتيحه استعمال الخشب لأنه يشكل مادة أولية متوفرة بكثرة ومتاحة بسهولة.
ويمكن كذلك استغلال المصافي الإحيائية كمحطات لإنتاج الطاقة من الخشب. ولتحقيق هذا الهدف الطموح قامت مجموعة من الباحثين من جامعة نيويورك بتطوير صفصافة تم إنتاجها حيويا، وهي عبارة عن شجرة يمكن الاعتماد عليها كمادة أولية في المصافي الإحيائية. ويقول الخبراء إن شجرة الصفصاف تتطلب طاقة أقل من تلك التي يحتاجها نبات الذرة. وتقوم هذه المحطات بإنتاج الطاقة عن طريق حرق بقايا الأخشاب مما يسهل عملية فصل الزيلان وإنتاج الإيثانول. وبهذا الصدد يقول لويد كولب المسؤول في شركة ليونزديل بيوماس: "إن أهم التحديات التي تواجهنا هي تحديد أماكن تواجد الكميات الكافية من هذا الوقود الجديد والمتمثل في الخشب، مما يمكننا من تحقيق الأرباح". غير أنه باستعمال تقنية شجر الصفصاف المنتج حيويا وإدماجها في المصافي الإحيائية ضمن عملية استخلاص الإيثانول والزيلان، فإن المردود الاقتصادي سيرتفع على نحو كبير.
ولهذا السبب نجد أن كلاً من شركة لي