ظلت القمم العربية تلحُّ من حين لآخر على التحرك باتجاه المجموعات الدولية المختلفة وبالذات تلك التي تتشابه ظروفها نسبياً مع ظروف المجموعة العربية كدول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وكانت الفكرة التي بدت في منتهى الوضوح في قمة الجزائر في نوفمبر1973 لكن الظروف لم تسمح بتقدم جوهري في تحقيق هذا الهدف إلا على الصعيد الأفريقي عندما عُقدت القمة العربية- الأفريقية الوحيدة في مارس1977 لتؤسس لمستوى جديد من العلاقات بين طرفيها كانت الظروف تسمح به آنذاك. أنشأت القمة مؤسسات تشير إلى توقعات هائلة من تلك العلاقات في حينه، لكن السنة نفسها شهدت بعد ثمانية شهور منعطفاً حاداً في السياسة العربية بزيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس فكان ما كان من فرقة مصرية- عربية أثرت دون شك على تحرك العرب دولياً وأصابت في مقتل - ضمن ما أصابت- علاقاتهم المتطورة مع الأفارقة.
في هذه المرة أتت المبادرة من الطرف الآخر –أي من دول أميركا الجنوبية- وذلك عندما بادر الرئيس البرازيلي بالدعوة إلى قمة عربية- أميركية جنوبية. كانت فكرته بسيطة ومنطقية، وهي بناء إطار لتنظيم العلاقات بين أميركا الجنوبية والعالم العربي على نحو يسمح لها بالنمو الطبيعي، وذلك من خلال حوار جنوبي-جنوبي فريد خارج إطار الأمم المتحدة، ومبادرات الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. وبدت العلاقات التجارية المتنامية بين البرازيل والأرجنتين من جانب والعالم العربي من جانب آخر في موقع القلب من هذه المبادرة التي تشير أيضاً إلى رغبة حقيقية من جانب عدد من دول أميركا الجنوبية على رأسها البرازيل ومنها فنزويلا وغيرهما في تعزيز النهج الاستقلالي في مواجهة الإدارة الأميركية التي تحاول أن تغلف العالم كله بالعلم ذي الخمسين نجمة.
لكن الزمان لم يعد هو الزمان فقد تغيرت أوضاع العرب جذرياً منذ 1973، فاختلفوا عقداً حول التسوية مع إسرائيل، وعقداً لاحقَاً حول غزو الكويت، واختاروا التكيف مع السياسة الأميركية بعد غزو العراق في العقد الذي نعيشه، ولذلك بدت فكرة إقامة الروابط مع مجموعات دولية أخرى لموازنة الهجمة على العرب غير مغرية، ناهيك عن أن تكون مع مجموعة تحمل شبهة الرغبة في تعزيز استقلالها عن القطب العالمي الأوحد وتبني سياسات لا يرضى عنها هذا القطب.
وربما يكون هذا هو السبب في تدني التمثيل العربي في هذه القمة التي لم يحضرها سوى خمسة من القادة العرب منهم اثنان لا شك في أن أحد أهدافهما من حضور القمة –إن لم يكن الهدف الرئيسي– هو كسب شرعية دولية وليس الإخلاص لقضية الحوار العربي- الأميركي الجنوبي، وهما الرئيسان الفلسطيني والعراقي، ويمكن بشيء من المرونة أن يُضاف إليهما رئيس جيبوتي، وبذلك لا يبقى ممثلاً للاهتمام العربي الحقيقي بالقمة سوى الرئيس الجزائري وأمير قطر، ولحسن الحظ فإن الرئيس الجزائري هو رئيس القمة العربية الحالية، وإلا أصبح المشهد العربي في قمتهم مع دول أميركا الجنوبية عجيباً.
وقد حاولت الصحافة البرازيلية ومعها دوائر رسمية أن تجد الأعذار للقادة العرب في غيابهم عن القمة، والواقع أن شبح الخوف من إغضاب الإدارة الأميركية يبدو ماثلاً من خلف عديد من المواقف العربية خاصة وقد كانت البرازيل حاسمة في رفضها لطلب الولايات المتحدة حضور القمة بصفة مراقب لانتفاء الصفة على حد قول الدوائر البرازيلية الرسمية: "هل نطلب نحن صفة المراقب في حوار الولايات المتحدة والصين مثلاً؟ فليتابعوا القمة من خلال البث التليفزيوني". بدت هذه الأجواء إذن غير ملائمة لتمثيل عربي رفيع ومن ثمّ لأداء عربي فاعل في القمة مع دول أميركا الجنوبية.
بالمقابل كان التمثيل الأميركي الجنوبي على مستوى القمة بحق، فمن بين اثنتي عشرة دولة حضرت المؤتمر مثلت تسع دول برؤسائها، ومثلت الثلاث الباقية بنائب رئيس ووزير خارجية بالمقارنة مع خمسة من القادة العرب كما سبقت الإشارة وثلاثة رؤساء حكومات وعشرة وزراء خارجية وثلاثة "رؤساء وفود"!. وما عزز الاعتقاد بأن المتغير الأميركي يفسر مستوى التمثيل في القمة أن الدول الأميركية الجنوبية التي لم تُمثل في القمة على المستوى الرئاسي هي أكثرها ارتباطاً بالولايات المتحدة الأميركية.
في ظل هذه الظروف ما كان منتظراً من القمة أن تحقق اختراقاً على صعيد العلاقات الدولية عامة والعلاقات العربية- الأميركية الجنوبية خاصة، وإن كان المرء لا يستطيع أن ينكر أن "إعلان برازيليا" قد تضمن مبادئ سليمة ومواقف إيجابية من قضايا العرب، فقد أشار على سبيل المثال إلى الاتفاق على تعزيز التنمية والعدالة والسلام العالمي، وأكد الالتزام بالعلاقات متعددة الأطراف واحترام القانون الدولي ومراعاة حقوق الإنسان وحظر انتشار الأسلحة النووية، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها والتسوية السلمية لكافة النزاعات والقضايا الدولية والإقليمية والثنائية طبقاً للقانون الدولي، وضرورة تنفيذ قرارات الأمم المتحدة دون استثناء ومعارضة الإجراءات أحادية الجانب وفرض المقاطعة غير القانو