إن كان موضوع الحديث ومجالس السمر في الخرطوم اليوم, هو الدستور المؤقت كما كتب الأستاذ محجوب عثمان في عموده المعنون في صفحات "وجهات نظر" الصادرة يوم السبت الموافق 14 مايو الجاري بـ"أزمة الدستور المؤقت وإفرازاتها", فهو كذلك بين معظم السودانيين في الداخل والخارج. وسبب اهتمام السودانيين بأمر الدستور هو وعيهم بأنه الوثيقة التي سترسم صورة وطنهم, وتحدد علاقتهم به وحقوقهم فيه, على مدى السنوات الست المقبلة. والمخاوف ومشاعر القلق التي تساور السودانيين إزاء الإجراءات الجارية الآن لإعداد مسودة الدستور المؤقت, لا تقتصر على انفراد طرفي اتفاق السلام –الحكومة والحركة الشعبية- بصياغتها فحسب, وإنما تستند أيضاً على التصريحات والمواقف السياسية اليومية للمسؤولين في كلا الطرفين. من ذلك على سبيل المثال, ما أورده الأستاذ محجوب من استخفاف من قبل رئيس وفد الحركة في الخرطوم, بمطالبة زعماء المعارضة الآخرين بتعديل نسب التمثيل في لجنة صياغة الدستور, وتساؤله بالقول "هم فاكرين القصة صحن فول ولا شنو؟". ومما يثير المخاوف أيضاً ما جاء من تصريح ونوايا بمنع الأحزاب السياسية التي لا تجيز مسودة الدستور عن ممارسة نشاطها السياسي, وعن خوض الانتخابات العامة لاحقاً!! ووجه الغرابة هو ما في هذا التصريح من إقصاء للآخرين, ومحاولة فرض رؤية ثنائية على بلد واسع ومتعدد مثل السودان؟ لقد اشتهر العقيد جون قرنق بسخريته اللاذعة ووصفه حكومة الانتفاضة المؤقتة في عام 1985 بأنها نظام "مايو 2" ولكن ما نخشاه للعقيد اليوم ووفده الموجود حالياً في الخرطوم, أن يرسموا صورة جديدة لـ"الإنقاذ2" ولست أحسب أن كل السنوات التي ظل يحاربها العقيد وحركته منذ عام 1983, يمكن أن يكون هدفها ترسيخ وتوطيد أركان الشمولية التي حمل البندقية في وجهها, فتكون هذه النهاية المأساوية للبطولة! وأظن أن الحركة قبل غيرها تعلم أن السودان الجديد, لن تبرز لوحته ولا ملامحه, عبر لوحة ترسمها حكومة الخرطوم ووفد الحركة الموجود فيها حالياً وحدهما.
كمال العمرابي- الخرطوم