إن الصورة السلبية التي يحاول النقاد رسمها لجون بولتن، مرشح الرئيس بوش لشغل منصب ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، لا تعبر بأي حال من الأحوال عن الرجل الذي خبرناه وعملنا معه لمدة ربع قرن.
وإذا كنا لا نستطيع الحديث عن مدى صحة تلك الادعاءات التي أطلقها حوله زملاؤه من المنتقدين، فإننا نستطيع، بالمقابل، الإدلاء بشهادتنا حول ما نعرفه عنه. فخلال عملنا مع السيد بولتن في وزارتي العدل والخارجية لم نسمع قط أنه أساء معاملة شخص أو عنفه، كما أن ولاءه لنا أو لرؤساء أميركا الذين خدمناهم أثناء عمله معنا لم يكن أبدا محط شك أو ريبة. هذا، ولم نعرف عنه أبدا أنه قام بتزييف الأدلة أو ليِّ عنق الحقائق لخدمة أغراضه السياسية.
وفي صميم المزاعم التي يرددها نقاد السيد بولتن نجد تلك التهمة بأنه متغطرس مع مرؤوسيه ومنافق مع رؤسائه. وهذا يعني، في نظرهم، أن السيد بولتن كان يرى نفسه كشخص مطلق اليدين له كامل حرية التصرف، ولا يهتم إلا بأفكاره الخاصة وآرائه الذاتية عما يمكن أن يشكل سياسة جيدة من عدمها. وحسب هؤلاء النقاد، الويل ثم الويل لم يتجرأ على انتقاده سواء كان هؤلاء محللين في المراتب الوظيفية الدنيا أو أعضاء في الحكومة.
غير أنه انطلاقا من تجربتنا، يمكننا أن نجزم أن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة ويجافي الواقع تماما. فجون بولتن كان رجلا مخلصا، كما كان موهوبا. وفي الحقيقة، كان يعرف حجمه ويتصرف على أساس ذلك. فإذا كنا نحن، كأعضاء الحكومة، نتصرف بتوجيهات الرؤساء، فإن بولتن كان، بالمثل، وفياً لواجباته كشخص عينه الرئيس الأميركي ليعمل معنا. وطيلة عمله كمساعد لوزيري العدل والخارجية وضعنا ثقتنا الكاملة والعمياء به، وظهر جليا بعدها أن تلك الثقة كانت في محلها. ولن يختلف الأمر كثيرا، في نظرنا، عندما يقوم بمهامه كسفير لأميركا في الأمم المتحدة.
ومعروف أنه يوجد في كل إدارة اختلافات في وجهات النظر بشأن صياغة السياسات وتنفيذها، وليس غريبا أن تكون هناك خطوط مواجهة في كل إدارة وشد وجذب بين المثاليين والبراغماتيين. لكن ما جعل جون بولتن ناجحا في المنصبين اللذين شغلهما، وما سيجعله مناسبا جدا لمنصبه في الأمم المتحدة، هو توفره على فضائل المثاليين والبراغماتيين معا. وليس بولتن ممن يصوغ مبادئه السياسية حسب ما تمليه عليه الظروف والمعارف التقليدية، فهو يعرف أن المبادئ، كما قالها مرة إبراهام لينكولن "يمكن أن تكون متصلبة في بعض الأحيان، لكنها يجب أن تكون كذلك في أحيان أخرى". لذا يعرف بولتن أنه يتعين الكفاح بشدة من أجل تلك المبادئ. ولأن بولتن يدرك من خلال تجربته الطويلة في المواقع العليا في الحكومة أنه لكي ينجح المرء يجب عليه العمل مع أشخاص يحملون وجهات نظر مختلفة وأحيانا متضاربة، فهو يعرف تمام المعرفة أهمية التوافقات المبدئية لإنجاح الأمور والدفع بها قدما.
ولعل أبرز مثال على براعته هو مساهمته عندما كان مساعدا لوزير الخارجية في إقناع الجمعية العمومية للأمم المتحدة سنة 1991 بالتخلي عن تلك الفكرة البغيضة أخلاقيا والمتمثلة في أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية. وقد تطلب منه هذا مهارات دبلوماسية استثنائية وصياغة واضحة ودقيقة للموقف الفلسفي للولايات المتحدة إزاء هذا الموضوع، بالإضافة إلى قدراته الخاصة في الإقناع. ولم يُفاجأ أحد ممن عمل معه بنجاح جهود بولتن فيما فشلت فيه مساعٍ أخرى سابقة، إذ أن رجاحة عقله وقوة حججه جعلتاه بارعا في الدفاع عن تلك القضية.
وقد تبدت مهاراته أكثر مؤخرا في موقعه الجديد كوكيل لوزارة الخارجية ومسؤول عن مراقبة الأسلحة والأمن الدولي. ولن يستطيع هنا أحد، حتى من يقلل من قيمته، أن يُنكر الدور المحوري الذي لعبه في بناء تحالف واسع يضم ستين دولة لدعم مبادرة الرئيس بوش حول مكافحة انتشار تكنولوجيا الأسلحة النووية.
وفي وقت تقر فيه جميع الأطراف بضرورة إجراء إصلاح أساسي للأمم المتحدة خشية أن تتدهور مكانتها الأخلاقية وتُبدد إمكاناتها الكبيرة، فإننا نحتاج إلى أن يكون ممثلنا الدائم لديها إنساناً يحمل رؤية سياسية وقوة فكرية ونزاهة شخصية. وما جون بولتن إلا ذلك الإنسان.
جيمس أي. بيكر وإدوين ميس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وزيرا الخارجية والعدل السابقين في أميركا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"