دائما ما خضعت العلاقة الإنسانية الخاصة، والمعروفة بالزواج، إلى العديد من الدراسات والبحوث، تناولت جميعها الجوانب الاقتصادية والنفسية والاجتماعية للزواج. هذه الدراسات والبحوث، امتدت مؤخرا لتشمل أيضا الآثار والتبعات الطبية والصحية للزواج، على كل من المشاركين والمشاركات في هذه المؤسسة العريقة. من كل هذا البحث والتمحيص، ربما كانت أهم النتائج التي خرج بها العلماء، هي أن الآثار الصحية السلبية لبقاء الرجل بدون زواج، تزيد في ضررها عن الآثار الصحية السلبية الناتجة عن التدخين. هذه النتيجة المثيرة، توصل إليها علماء جامعة "وارويك" (Warwick) في بريطانيا، من خلال تحليلهم لآلاف الوثائق الخاصة بالأسر البريطانية، وبدراسة مسح شامل أجري على المتقاعدين البريطانيين. وعلى الرغم من أن الأطباء كانوا على دراية دائماً، بأن المتزوجين من الرجال يتمتعون دائما بصحة أفضل من أقرانهم العزاب، إلا أنه لم يكن ليخطر على بال أحد أن العزاب يتعرضون لاحتمالات وفاة بسبب عزوبيتهم، تفوق تلك التي يتعرض لها المدخنون بسبب تدخينهم. ويرى البعض أن العزوبية في حد ذاتها لا تشكل خطراً، وأن الزواج هو الذي يحمل معه فوائد صحية جمة، تطيل من أعمار الرجال الذين رضخوا لندائه وقبلوا بشروطه. ولكن للأسف، لم يستطع العلماء تحديد السبب، الذي يجعل الرجال المتزوجين في وضع أفضل صحياً من العزاب. إحدى النظريات التي تحاول تفسير هذا اللغز، تطرح فكرة أن المتزوجين يتمتعون باستقرار نفسي، ودعم أسري اجتماعي، لا يتوفر للعزاب. هذا بالإضافة إلى أن المتزوجين يتبعون نظام حياة صحياً مقارنة بالعزاب، على صعيد تنوع الغذاء وجودة نوعيته، وعلى صعيد الابتعاد عن كثرة السهر، أو الإفراط في تناول الكحوليات وتعاطي المخدرات.
وهو ما يعني أن الزواج ليس سبباً مباشراً في إطالة العمر، ولكن البيئة الزوجية بما تحتويه من دعم أسري ونفسي من قبل الزوجة والأطفال، وما تتطلبه من الابتعاد عن الموبقات غير الشرعية، هي السبب غير المباشر في خفض احتمالات الوفاة المبكرة بين المتزوجين مقارنة بالعزاب. ويجب التنويه هنا إلى أن المقارنة بين مخاطر العزوبية ومخاطر التدخين، تمت خلال فترة سبع سنوات فقط، هي طول فترة الدراسة. ولكن عند مقارنة مضار التدخين خلال معظم سنوات العمر، فهي بلا شك تزيد أضعافاً مضاعفة عن مخاطر العزوبية. فالإحصائيات تشير إلى أن احتمالات الوفاة المبكرة للمدخنين تبلغ خمسين في المئة، ولذا يرى البعض أنه ربما كان على هؤلاء الزواج في أقرب وقت ممكن كي يعادلوا الآثار الصحية السلبية الناتجة عن تدخينهم. هذه النتائج التي صدرت عن دراسة جامعة "وارويك"، تم تأكيدها وتفسيرها مؤخرا، خلال مؤتمر الجمعية الأميركية لأمراض القلب (American Heart Association)، الذي عقد في بداية هذا الشهر. فمن خلال تحليل البيانات الناتجة عن واحدة من أكبر الدراسات في التاريخ العلمي، والمعروفة بدراسة فرامنجهام لأمراض القلب (Framingham Heart Study)، توصل الباحثون إلى أن الرجال الذين لا يتمتعون بدفء العلاقات العائلية، ترتفع في دمائهم نسبة تواجد مركب كيميائي خاص، يترافق ويرتبط دائما بالالتهابات، هو مركب "الإنترليكون – 6". وبما أن الالتهاب يلعب دورا محوريا في تصلب الشرايين، من خلال تسببه في التصاق كريات الدم البيضاء بجدران الشرايين، والذي يؤدي بدوره إلى ترسب الدهون على الجدران وتصلبها، أصبحت العلاقة واضحة بين العزوبية وبين أمراض القلب وبين الوفاة المبكرة. فالوحدة والعزوبية، يتسببان في الإصابة بالالتهاب، والذي ينتج عنه تصلب الشرايين، ومن ثم الإصابة بأمراض القلب والشرايين، وفي النهاية الوفاة المبكرة.
والغريب أن دراسة فرامنجهام سابقة الذكر، لم تجد أية فروق تذكر بين النساء المتزوجات، والمتمتعات بشبكة كبيرة من الأصدقاء والمعارف، وبين النساء العازبات الوحيدات. ويفسر الباحثون هذه الحقيقة الغريبة، من منطلق أن الأسئلة الخاصة بالعلاقات الاجتماعية في الدراسة، كانت كمية وليست كيفية، أي تتعلق بعدد تلك العلاقات وليس بنوعيتها. وبما أن النساء –حسب رأي الباحثين- يهتمن أكثر بنوعية العلاقات وليس بعددها، تصبح صياغة الأسئلة بالنسبة لهن صياغة خاطئة. وعلى ما يبدو أن مثلث المرأة والزواج وأمراض القلب لا ينتهي عند هذا الحد، ففي منتصف شهر فبراير الماضي نشرت الدورية الطبية المرموقة (The Journal of the American Heart Association)، تقريراً ذكرت فيه أن النساء اللواتي يلتزمن الصمت أثناء المشاحنات الزوجية، ترتفع لديهن احتمالات الوفاة بسبب أمراض القلب بأكثر من أربعة أضعاف، مقارنة بالزوجات اللاتي لا يتخذن خيار الصمت. وهو ما يعني أن الزوجة التي تتجادل وتتشاحن مع زوجها، يكتب لها عمر أطول!
وبوجه عام يدرك الأطباء ومنذ زمن، أن التجارب النفسية العنيفة، والتوتر المستمر، يؤثران في الأمراض القلبية من خلال اتجاهين مختلفين. فبداية، يؤدي التعرض لفترات طويلة من التوتر المزمن أو العزلة الاجتماعية، إلى زيادة احتم