ما رأيكم في فرض سقف زمني أعلى للمديرين العامين والمسؤولين الرئيسيين في دوائرنا المحلية وهيئاتنا الاتحادية؟ وما رأيكم أن يخدم هذا المسؤول فترة أربع أو خمس سنوات تجدد مرة واحدة فقط لا غير؟ قد يعتقد البعض أن هذه الفكرة تدخل ضمن خانة أحلام اليقظة، ولكنني جاد في هذا الطرح، ففترة الثماني أو العشر سنوات كافية ليقدم المسؤول ما في جعبته من أفكار ومقترحات تطويرية، أما بعد هذه الفترة فيقل العطاء وتصبح شخصية المسؤول مرتبطة بالكرسي الذي يشغله وموقعه الاجتماعي ملتصق بوظيفته المهنية. لا أدعي خبرة إدارية مطولة ولكنني أعتقد أن مثل هذه الفكرة جديرة بالدراسة وتخلق انضباطاً جيداً في أجهزتنا الحكومية، وتبعث فيها الحياة وروح التجديد من خلال هذا التداول المنظم لقيادات المؤسسات والأجهزة الحكومية.
والفكرة تهدف إلى فك الربط بين الوظيفة العامة وشخصية المسؤول الأول في الدائرة المعنية، وجميعنا ندرك أن مثل هذه الخطوة ضرورية في مجتمع كمجتمعنا، حيث الفاصل بين الموقعين ليس بالوضوح المطلوب، وفك الارتباط، ومن خلال الممارسة، كفيل بغرس روح النظام والمأسسة في أجهزتنا الإدارية، كما أنه سيساهم في إنهاء شخصنة الوظيفة، إن صح التعبير، وينفض الغبار عن مقولة إن الوظيفة العامة تكليف لا تشريف ويعيد إلى المقولة المصداقية التي تآكلت بفعل تراكم الممارسات غير السليمة.
ولنطور الفكرة قليلاً ونضيف أن المسؤول الأول وبعد مغادرته موقعه بإمكاننا أن نستفيد من إمكانياته وخبرته في العديد من المجالات الاستشارية والرقابية، وتشمل هذه الجوانب مجالس الإدارات المختلفة ومن ضمنها الهيئات الحكومية والشركات المساهمة العامة والتي تملك فيها الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية حصصاً معتبرة. المهم كي تنجح الفكرة يجب ألا يعود المسؤول إلى موقع تنفيذي، فأحد الأهداف الرئيسية للفكرة إتاحة الفرصة للصف الثاني والخوف من أن تتحول الممارسة إلى لعبة تبادل للكراسي بدلاً من التداول، والنتيجة الطبيعية لهذا التطبيق الملتزم تراكم مخزون كبير وثري من الخبرات المواطنة يعيننا في عملية التنمية، مخزون يعالج النقص الكبير في الموارد البشرية المؤهلة والمدربة الذي نعاني منه. وتصوروا الفرص التي ستتاح للصف الثاني والثالث والرابع لتولي زمام المسؤولية الأولى ولفترة زمنية معروفة ومحددة، وتصوروا الحماس الذي سينتشر بين هذه الشريحة الواسعة من الشباب، وهي تدرك أن فرصتها آتية وأنها لن تقبع في درجتها الحالية لمدة عشرين عاماً قادمة.
وما رأيكم أن يشمل التطوير تداولاً واضحاً ومنظماً لمهام الدائرة أو المؤسسة؟ أي أن نضع ضمن اللوائح بنوداً بينة تشترط على المدير. وخلال السنة أو السنتين الأخيرتين من فترته أن يضع خطة واضحة لمن يخلفه في الإدارة، وبالتالي يكون الانتقال منظماً وسلساً وبعيداً عن المفاجآت التي تربك العمل وتعطل مصالح البلد ومصالح المراجعين، وفي الوقت نفسه سيهيئ مثل هذا الانتقال الصف الثاني لتسلم المسؤولية الأولى ضمن منهج منظم وسيخلق الشواغر لانتقال الصف الثالث لموقع الصف الثاني.
أعتقد أن مثل هذه الأفكار، ولو أن البعض قد يرى أنها راديكالية أو غير عملية إلا أنها مطلوبة، وتستحق منا البحث والدراسة، وأرى أن معوقات التنفيذ أو وضع الآليات المطلوبة لتنفيذها هينة مقارنة بالفوائد التي سنجنيها من هذا التدفق المتجدد والدائم للدماء الجديدة والمبدعة، من خلال أجهزتنا الحكومية وإنهاء شخصنة الوظيفة العامة والاستمرارية في الخطط والرؤى من خلال التداول المنظم لموقع المسؤولية الأولى.