منذ أيام شد انتباهي خبر بثته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) مفاده أن جمهورية إيران الإسلامية وصفت طلب دولة الإمارات من الأمين العام للأمم المتحدة عرض قضية جزرنا الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبوموسى)، التي تحتلها إيران، إلى مجلس الأمن بأنه "قرار غير حكيم"، دون ذكر أو تحديد الآليات أو الخطوات "الحكيمة" التي يمكن أن تسهل استمرار المفاوضات بين البلدين لبلوغ هدفها، وخاصة أنه قد مضى على هذه المفاوضات أكثر من ثلاثة عقود ونصف وأصبح الريب يساور الجميع من جدواها، بعد أن أصبحت من قبيل المفاوضات العقيمة وغير المجدية.
إن من استعرض تاريخ هذه القضية وراقب سير المفاوضات التي جرت حولها دون توقف وبلا كلل أو ملل، يرى أن الرأي السائد هو أن دولة الإمارات قد استنفدت كل الوسائل الودية أو الدبلوماسية الهادفة للوصول إلى تسوية هذا النزاع. فالجهود شملت مختلف الوساطات والمساعي الحميدة لتسوية أوجه الخلاف، لكن تهرب الجانب الإيراني من مواجهة الحقيقة أو الاعتراف بواقع لابد من الاعتراف به، أدى إلى إفقاد المباحثات جدواها. وبعد أن انسدت كل مسالك الحوار المباشر وغير المباشر، عمدت إلى وسائل أخرى أكثر فاعلية كمجلس الأمن وقراراته الملزمة، وذلك حسماً لهذا النزاع الطويل وحفاظاً على السلم والأمن الإقليمي والدولي.
وباعتبارها جزءاً من الأمتين العربية والإسلامية، دأبت حكومة دولة الإمارات على طرح هذه القضية في مختلف المحافل والمؤتمرات الدولية، لا سيما جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي، ولكن دون جدوى. وخاصة أن المادة: 5 من ميثاق الجامعة العربية تنص "على أنه إذا نشب خلاف بين دولة من دول الجامعة ودولة أجنبية، على المجلس أن يتوسط بين طرفي الخلاف". وبخلاف الوسائل والطرق التي جرى بيانها، كانت هناك فرصة للتحكيم الذي كان يلجأ إليه الإسلام، فضلاً عن الطرق القضائية الأخرى وقراراتها الملزمة باستنادها أساساً إلى حكم القانون (المادة: 37 من اتفاقية لاهاي لعام 1907 الخاصة بتسوية المنازعات الدولية سلمياً). كما أن الوسائل الودية الأخرى التي جرى عرضها لتسوية هذا النزاع شملت خيار اللجوء إلى المنظمات الدولية، استناداً إلى ما أقرته المادة: 11ف:2 من ميثاق الأمم المتحدة في شأن المنازعات، التي سبق اللجوء إليها كوسيلة فعالة لحسم النزاعات الإقليمية المتعلقة بالحدود (كالنزاع بين دولة قطر ومملكة البحرين).
ولكن الرأي السائد يقول إن إيران استخفت بنهج دولة الإمارات تجاه استرجاع جزرها المحتلة وفسرت مطالبتها بحل النزاع بالوسائل السلمية، إنها وسيلة مألوفة وإنه مع الأيام أو السنين سوف تكف أو تتراجع عن مطالبها وتقبل بتسوية تشمل بعض التنازلات. كما أن هناك رأياً آخر يرى أن إيران ما زالت تجهل (أو تتجاهل) بأن الجزر الثلاث التي احتلت بالقوة العسكرية، هي قطعة من فؤاد شعب دولة الإمارات، وخفقة من ضمير الأمة العربية، وهي من الشواغل المستمرة والهواجس الدائمة للقيادة والجماهير في دولة الإمارات، وأن تسوية هذه القضية من أولويات القيادة السياسية، ولا يمكن التماس حل من جهة غيرها كون القضية وطنية. أما حسن الاستقبال والملاطفة، فتلك من الصفات العربية المحمودة التي يتميز بها شعب الإمارات من حكام وعامة، وتفسير هذا السلوك باللامبالاة، دليل على جهل بعض المسؤولين في إيران لطبيعة أهل الإمارات وصدق عواطفهم. كما أن تماديهم في الاحتفاظ بأراضٍ من غير أن يكون لهم حق صريح فيها، أفقدهم مصداقيتهم وفاعليتهم السياسية في الداخل وتجاه العالم العربي بصفة خاصة. حتى أننا لاحظنا، للأسف الشديد، بعض المسؤولين "الإسرائيليين" يسخرون منهم، في بعض الحوارات السياسية عندما يتحدثون (أي الإيرانيين) عن "حقوق الشعب الفلسطيني والأراضي العربية المحتلة"، حيث يواجهونهم بحجة مضادة مفادها أنهم (أي الإيرانيين) يحتلون أراضي (جزر) عربية أيضاً. ثم إن إيران بتاريخها السياسي العريق، تعلم علم اليقين أن دولة الإمارات تتمتع بتأييد وعطف الرأي العام العربي والإسلامي وبها اليوم مصالح ضخمة لأغلب دول العالم التي تحرص على بقائها والإفادة منها. وعند اللزوم يمكن لهذه المصالح والقوى الاقتصادية أن تشكل قوة ضاغطة إضافية، مما يعزز من مقوماتها الأساسية وقدرتها الذاتية لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية.
وقد كانت للمرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والمرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراهما، فلسفة ورؤية خاصة تجاه هذا النزاع وتطوره، وذلك من واقع تقييمهما لعلاقة دولة الإمارات التاريخية بجمهورية إيران الإسلامية. فكانا ينظران إلى إيران وشعبها المسلم بكل ود وتقدير، ويعتبران إيران دولة جارة محكوم علينا وعلى شعوب المنطقة العيش معها بسلام ووئام. أما في شأن النزاع حول الجزر المحتلة، فكانا رحمهما الله حريصين على أن تتم تسوية القضية بحكمة وواقعية ملتزمة، وكانا يأخذان في الاعتبار الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تجتازها إيران في تلك الفترة. وكانت